Wednesday, December 27, 2006

بيان لرؤساء الطوائف المسيحية في بغداد

أصدرت الأمانة العامة لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية في بغداد بياناً في 24 كانون الأول-ديسمبر 2006 لمناسبة ميلاد رسول المحبة والسلام ورأس السنة الميلادية جاء فيه:
تداعى رؤساء الطوائف المسيحية الى اجتماع ضمهم في العشرين من كانون الاول, 2006, على ابواب عيد الميلاد المجيد, وفي الايام القريبة من عيد الاضحى المبارك, فلم تستطع فرحة الاعياد المقبلة تبديد الغيوم القائمة التي تلفهم والبلاد حزناً واسى. فالعنف المستشري والخطف الظالم والاعمى والتهجير الحرام المستبد وتعثر المساعي الوفاقية السياسية وانهيار البنى التحتية والضمانات الاجتماعية واستشراء الهجرة الداخلية كما الى الخارج، مآس تصيب أولاً وآخراً العراقيين أيا كان دينهم أو قوميتهم. لقد هالهم بنوع أخص وضع المسيحيين المتردي بشكل مأساوي. لذا يناشدون القيادات الروحية والسياسية في العالم وفي المنطقة وفي العراق مذكرين الجميع بالثوابت التالية:
1. العراق بلد نهائي لجميع أبنائه، أيا كان انتماؤهم. وعليه فأن وحدة أرضه وشعبه، وان اختار ابناؤه هذا الشكل من الحكم أو ذاك، هبة من الله عبر التاريخ الطويل لا يجوز التفريط به.
2. الشعب العراقي يتوحد على قاعدة حقوق الانسان التي تجد في الأديان السماوية والفلسفات العالمية والممارسات الأخلاقية العريقة أساساً لها، لا بل ضمانة وسنداً.
3. الدولة بكل أجهزتها وعلى كل مستوياتها مسؤولة أولاً بأول عن أمن مواطنيها على كل الأصعدة. لذا نطلب اليها أن تسعى بكل الطرق الى اعادة الأمن الى البلاد والكرامة الى المواطن والحرية الى كل مؤمن.
4. الجماعة الدولية من خلال الأمم المتحدة والدول العظمى مدعوة أكثر من أي وقت مضى الى دعم المساعي التوفيقية البناءة للحفاظ على العراق تراباً وشعباً ومؤسسات. وعليه فالرؤساء يناشدون الجميع، بصفتهم رعاة على أبناء شعب آمن مؤمن، أن يلجأوا الى الحوار والتشاور السياسي والدبلوماسي، قافلين أبواب العنف قفلاً نهائياً. فالعراق أمانة في أعناق الجميع وسلامه من سلام الجميع وأمنه خير للجميع.
5. المسيحيون في العراق مع الأقليات الدينية الأخرى، هم أبناء الوطن الأصليون وأحفاد سكانه الأوائل، قد غدوا اليوم، بفعل التطورات والتحولات، أمانة في أيدي الدولة والجماعات المتنفذة. لذا يناشد الرؤساء هؤلاء جميعاً أن يرفعوا عنهم سيوف الاضطهاد الذي يتجسد في الخطف والتعدي على المقامات الروحية والأملاك الخاصة والترويع من أجل التهجير والتطهير العرقي والديني والمذهبي. وكل هذه الأعمال المشينة مرفوضة من قبل جميع الأديان السماوية وتعد إجراماً ضد الإنسانية كما نصت عليها القوانين الوضعية.
6. عيد ميلاد يسوع المسيح له المجد الذي يحييه المسيحيون عيد سلام ومحبة واخاء وفرح، سيقتصر في خضم هذه الأيام العصيبة لهذه السنة على العبادة والصلاة فقط.

وعليه فالرعاة يعتذرون عن تقبل التهاني ويطلبون الى المؤمنين أن يكتفوا بالطقوس الدينية والكنسية ويمتنعوا عن الاحتفالات الاجتماعية المرافقة لها وذلك احتجاجاً على الأوضاع المأساوية ومؤاساة للمحزونين ومشاركة للمنكوبين المحرومين. ولتحل على الجميع بركة الله القدير الرحيم مع أحر التهاني الى المسلمين جميعاً بحلول عيد الأضحى المبارك.

الأمانة العامة لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية في بغداد

Tuesday, December 12, 2006

مقالات لكتاب أتراك تخالف الرواية الرسمية التركية للإبادة الأرمنية 6

انتقاد الطلب المقدم من تركيا لبريطانيا لالغاء الكتاب الأزرق
-"ألف وسيلة ووسيلة لجلب العار"-
قالت صحيفة (مرمرة) الصادرة باللغة الأرمنية في اسطنبول في 14 أبريل-نيسان 2005[1] إن البروفسور ايهان اكتار المحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة (مرمرة) انتقد، بشكل عنيف، في مقالة له نشرت في 14 نيسان-أبريل 2005 في صحيفة (راديكال)، طلب الحكومة التركية، بمبادرة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، من بريطانيا الاعتراف بأن (الكتاب الأزرق)[2] كتب لأغراض دعائية. وأصر اكتان على أن الدبلوماسية التركية بذلك تجلب العار على نفسها على المسرح الدولي. واعتبر اكتار شكري الكداغ، السفير التركي السابق في واشنطن، مسؤولاً عن هذه المبادرة الفاشلة. وكان لالكداغ، بحسب اكتار، مواقف غير مسؤولة وسطحية في مقابل المزاعم الأرمنية حين كان سفيراً لتركيا. وتساءل اكتار: كيف يمكن لمبادئ شخص كهذا أن تقبل بالجدية من قبل حزب العدالة والتنمية والحكومة ؟ !
وذكر ايهان اكتار أنه، وبحسب المعطيات الرسمية، كان يعيش في (بورسا)[3] خلال الحكم العثماني 75 ألفاً من الأرمن (الغريغوريين)[4]، و 1419 من الأرمن الكاثوليك، و416 من الأرمن البروتستانت، في حين أظهر الإحصاء الأول في الجمهورية التركية وجود اثنين فقط من المواطنين الأرمن. نعم، اثنان. ماذا سيكون جواب الكداغ في حال طرح عليه صحفي سؤالاً عما حدث للأرمن في (بورسا) ؟ ولا حاجة لقراءة (الكتاب الأزرق) لطرح سؤال كهذا. ويدرك كل شخص اطلع قليلاً أو كثيراً على المنشورات الصادرة في تلك الفترة عدم وجود أي معنى في إثارة عاصفة كهذه بشأن (الكتاب الأزرق).
وقال ايهان اكتار إن إصرار الكداغ وأمثاله على أن الشهادات الواردة في (الكتاب الأزرق) هي مزيفة لا أساس لها من الصحة. وأوصى كاتب المقالة شكري الكداغ بقراءة كتاب آرا سارافيان[5] الذي توصل في الأرشيفات الوطنية البريطانية والأميركية إلى أصول جميع الوثائق المذكورة في (الكتاب الأزرق)، وأثبت أن هذه الوثائق هي حقيقية وموثوق فيها. وأضاف اكتار: إن في إمكان الكداغ الحصول على كتاب سارافيان من على شبكة الانترنت في مقابل 55 دولاراً وقراءته.
ويجد ايهان اكتار أنه لمن دواعي السخرية الكبيرة تلك الإستراتيجية التي يظن متبعوها أنه بإلغاء (الكتاب الأزرق) سيتم إلغاء القضية الأرمنية.. وبين اكتار بالمعلومات الموثقة أن (الكتاب الأزرق) لا يعد المصدر الوحيد الأكثر استخداماً في مسألة الإبادة الأرمنية، إذ ورد ذكر هذا الكتاب، بحسبه، في عشر مقالات فقط من مجموع 108 مقالات منشورة في 2932 دورية. وتساءل اكتار: لماذا تثار عاصفة كهذه اليوم في شأن كتاب ينظر إليه جدياً عدد قليل من الناس ؟
وقال ايهان اكتان إن قابلية الاستيعاب لشكري الكداغ هي معروفة للجميع، ولكن أن يتم تبنيها من قبل النواب لبرلمان بأكمله، فهذا يعني أن عملنا، للأسف، صعب جداً.

[1] http://www.normarmara.com/arsiv/2005/04/140405lu.html

[2] وهو الكتاب البرلماني البريطاني الصادر عام 1916 بعنوان: (معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية 1915-1916)
(The Treatment of Armenians in the Ottoman Empire 1915-1916)
الذي اعتمدته الحكومة البريطانية والذي يوثق مجازر الإبادة الأرمنية. وهو من تأليف اللورد جيمس برايس والمؤرخ البريطاني الشهير ارنولد توينبي. ووجه البرلمان التركي رسالة إلى نظيره البريطاني في 28 نيسان-أبريل 2005، زاعماً أن (الكتاب الأزرق) كان تلفيقاً دعائياً بريطانياً حط من قدر الأتراك العثمانيين ويستمر اليوم بالإضرار بالمصالح التركية.
[3] وهي تقع بعيدة جداً عن منطقة العمليات الحربية التي تتذرع السلطات التركية تهجير المواطنين الأرمن منها لضرورات حربية.
[4] صحيح أن نقول: الأرمن من أتباع الكنيسة الأرمنية الرسولية المقدسة.
[5] مؤرخ بريطاني من أصل أرمني.

Sunday, December 10, 2006

سارة خاتون .. غيرة العراق التي واجهت الطغيان العثماني

عرضت قناة (الشرقية) الفضائية العراقية خلال شهر رمضان الفائت -2006- والأيام التي تلته المسلسل العراقي الدرامي (سارة خاتون) الذي يجسد حياة الفتاة الأرمنية سارة اسكندريان أو (سارة خاتون) في حقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث بمشاركة نخبة كبيرة من نجوم الفن العراقي والفنانين العرب.
ويجسد المسلسل الذي صور في سوريا وأنتجته بميزانية كبيرة قناة (الشرقية)، وهي القناة التي تحظى بأكبر نسبة مشاهدة من قبل المشاهدين العراقيين من بين القنوات الأرضية والفضائية العراقية، وأخرجه الفنان صلاح كرم وكتب السيناريو والحوار له حامد المالكي وتابعه المشاهدون العراقيون بشغف، يجسد قصة واقعية من حياة سارة اوهانيس اسكندريان التي اشتهرت في بغداد وغيرها من المدن العراقية باسم (سارة خاتون) و (سارة الزنگينة)، وتعني الثرية.
وتناول المسلسل مدة العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين من تاريخ العراق الحديث، وهي مرحلة شهدت انحسار الحكم العثماني في العراق، ونشوب الحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني للعراق، واندلاع ثورة العشرين، ونشوء الحكم الملكي في العراق، وانتحار رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون. وكان لشخصية سارة خاتون حضورها الواقعي، وقد تسللت الى الوجدان الشعبي ودخلت قصتها التراث العراقي وأصبحت جزءاً منه، ولا سيما أن ذلك الحضور تزامن مع الأحداث الكبيرة المشار إليها آنفاً.
وسارة هي فتاة بغدادية كريمة المحتد والأصل، وهي ابنة اوهانيس (هوفهانيس) ماركوس اسكندريان (1834-1899) أحد وجوه الأرمن ببغداد، وقد أوتيت من جمال الوجه ما لم تؤته فتاة، ووقعت بسبب هذا الجمال في أحداث كأحداث بعض أفلام هوليوود، بسبب وقوع الوالي العثماني ناظم باشا في حبها ورفضها لهذا الحب وتصديها له.
ولدت سارة في بغداد عام 1889، وفقدت والدتها صوفي (1856-1895) وأختها الصغيرة زابيل، ثم والدها قبل أن تبلغ سن الرشد وتبقى تحت رعاية عمتها صوفي ووصاية عمها سيروب اسكندريان. وكانت سارة قبل مولدها قد فقدت أخاً لها، أسمه كيروب، بعد خمسة أشهر من مولده (ولد في 22 آب-أغسطس 1886 وتوفي في 28 كانون الثاني-يناير 1887). وحرص العم على التمسك بالوصية على سارة لانتفاعه منها. وقد خلف لها والدها ثروة طائلة جداً، تتضمن أموالاً وبساتين وأراضي زراعية في بغداد والصويرة والحلة ومنطقة الشوملي، فضلاً عن أراضي واسعة ضمن حدود أمانة بغداد قسمت وبيعت لتغدو في ما بعد منطقة سكنية تعرف بحي الرياض (كمب سارة). وكان المنزل الفخم لأهل سارة يقع في شارع الرشيد ببغداد على ضفاف نهر دجلة، وأصبح في ما بعد احد فنادق بغداد المعروفة وأسمه (ريفر فرونت هوتيل)، وقيل أن أملاكها كانت من الكثرة وكبر المساحة بحيث كان القطار سيستغرق في مسيره مدة نصف ساعة للخروج من حدودها !!
وكان والدها المحسن قد أوقف أحد بيوته الكبيرة الى الطائفة الأرمنية بعد وفاة ابنته زابيل في عام 1897، وهي في سن السادسة من العمر، لتكون مدرسة سميت تخليداً لذكراها باسم (المدرسة الزابيلية)، وهي أول مدرسة للبنات في بغداد تأسست عام 1901، والتي دمجت عام 1917 مع أول مدرسة أرمنية أنشئت في بغداد عام 1852 باسم (تاركمانجاتس) وتعني (المترجمون) لتتكون منها أول مدرسة مختلطة في العراق، وهي مدرسة الأرمن المختلطة الأهلية.
بدأت قصة سارة مع الوالي العثماني ناظم باشا، تلك القصة التي وصلت أخبارها الى اسطنبول وربما الى أوروبا، ذات ليلة من شهر آب-أغسطس 1910 عندما أقام ناظم باشا، متظاهراً بالتجديد ومدعياً تأثره بالمجتمع الفرنسي الذي عرفه أثناء إقامته في باريس فترة من الزمن، حفلة راقصة على ظهر باخرة نهرية من أجل إنشاء مستشفى الغرباء ببغداد. وكانت الحفلة مختلطة حضرها القناصل وزوجاتهم وأفراد الجاليات الأجنبية وبعض العائلات المسيحية، وقد زينت الباخرة بالأنوار والأعلام وصدحت فيها الموسيقى. وكانت بغداد تشهد لأول مرة حفلة من هذا النوع، وقد حضرتها سارة مع أفراد عائلتها وهي تلبس الإزار والخمار (البوشي) على الطريقة التي كانت مألوفة يومذاك، ولم يكد الوالي يشاهدها حتى شغف بها حباً على الرغم من الفرق الكبير بين عمريهما، إذ كانت سارة في الحادية والعشرين من عمرها بينما هو كان في الخمسين[1].
وظل الوالي يتحين الفرصة للوصول إليها والتعرف عليها، ولما عرف أنها ابنة أخ سيروب اسكندريان الذي كان قد عينه مديراً للإدارة النهرية شعر وقتذاك أن الطريق ممهد له، فلم يتوان وتقدم منها لتكون بعد لحظات موضع رعايته واهتمامه.
وكانت سارة قد ضاقت ذرعاً بوصاية عمها على ثروتها الكبيرة، كونه يتصرف بأموالها لنفسه، فاعتبرتها فرصة ذهبية لتستعين بالوالي على فسخ هذه الوصاية واستبدالها بوصاية مطران الكنيسة الأرمنية. لذا طلبت من ناظم باشا موعداً لزيارته، فكان الجواب سريعاً. وفي الموعد المحدد ارتدت سارة العباءة وأسدلت على وجهها الخمار على هيئة ما كانت نساء بغداد يفعلنه وقتذاك عند الخروج الى الشارع، واصطحبت معها عمتها صوفي التي كانت تقف الى جانبها في رفض وصاية العم سيروب، ورحلت تريد مقابلة الوالي في داره.
ويبدو أن هيبة الوالي العجوز ونظراته قد أخرست سارة عن الكلام في هذا اللقاء، فتولت العمة صوفي شرح الموضوع الذي أنصت إليه الوالي بشكل جاد. وبعد أيام من هذا اللقاء، أرسل الوالي في طلب العم سيروب وولده تانييل (دانيال) وطلب منهما أن يقدما كشفاً بالحساب لإرث سارة. فاستبشرت سارة خيراً، إلا أن الأمور سارت بمنحى آخر، إذ بادر بادر ابن عمها تانييل الى زيارتها في إحدى الأمسيات وذكر لها، وهو مضطرب، أن ناظم باشا يريدها زوجة لسكرتيره الخاص سورين.
وتصورت سارة أن تانييل غير جاد وأنه يمزح معها، إلا أنه قطع عليها ظنونها هذه عندما استطرد يزين لها هذا الزواج، فطردته وأسمعته من جارح الكلام ما جعلها تظن أنه لن يعاود. بيد أنه عاد إليها بعد يومين ليقدم لها عرضاً آخر (أكثر إغراء) عندما قال لها أن الوالي يريدها زوجة له ! ورفضت سارة (عرض) تانييل هذا لها وطردته ثانية، فشعر الوالي أن صبية بغدادية لا تملك ما يملكه هو من سطوة واقتدار قد تمردت عليه من دون رهبة أو خوف، فأخذ بتضييق الخناق عليها ونصب الشراك لها، فإذا بها تفلت من واحد حتى يكون الثاني في انتظارها وهي صامدة ببطولة وشجاعة، وتبين للباشا أنها فتاة من طراز خاص ذات إرادة وشخصية قوية.
وأوعز الوالي الى (الجندرمة) بأن يقتحموا بيتها، فتسلقت الجدار الذي بفصل بينها وبين جارها القنصل الألماني في بغداد هسا الذي وجد أن بقاءها في داره قد يسبب أزمة دبلوماسية، لأنه لا يشك في أن الوالي الخرف قد لا يتورع عن اقتحام داره ذي الحصانة الدبلوماسية، فنقلها على الفور الى دار السيد داود النقيب (ابن أخ السيد طالب النقيب نقيب الأشراف في بغداد) في محلة باب الشيخ ببغداد، فآواها النقيب ووفر لها حماية كاملة منطلقاً من مبادئه الإسلامية في نصرة المظلوم والوقوف الى جانب الحق، وشهامته وتربيته العربية في حماية (الدخيل) أو اللاجئ. ولم يتجرأ الوالي على اقتحام دار السيد النقيب، نظراً للاحترام الكبير الذي كان يحظى به من قبل جميع الناس، إلا أن الوالي وزع جلاوزته (الجندرمة) حول الدار لإلقاء القبض على سارة عند مغادرتها للدار.
وبقيت سارة في دار السيد النقيب خمسة أيام أمعن الوالي خلالها في التضييق عليها وإيذائها، فاعتقل خادمتي سارة لولو وفريدة بتهم ملفقة باطلة، وأمر أصحاب الزوارق الصغيرة التي تعمل بالمجاذف (البلامة) وأصحاب الحيوانات التي تستخدم في التنقل بالامتناع عن مساعدتها في التنقل بأي من وسائطهم، كما أبعد خطيبها الى كركوك لأداء الخدمة العسكرية هناك، على الرغم من دفعه للبدل النقدي الذي كان يمنحه الحق في أداء الخدمة العسكرية في محل إقامته.
وبلا شك، تسربت القصة الى أوساط العامة في بغداد، ونشأت الأغاني و (البستات) التي تتضمن إشارات غير مباشرة الى سلوك الوالي. ووقف أهل بغداد الى جانب سارة، ولا يستبعد أن يكون البغداديون قد ربطوا بين تصرف الوالي الشخصي هذا وبين موقعه كحاكم لدولة أجنبية تسيطر على العراق وتتصرف بمقدراته، ولهذا هبوا جميعاً لنصرة سارة كمواطنة عراقية لحقها حيف وظلم من حاكم غريب عن الوطن.
ونصر أهل بغداد سارة على الوالي مرتين: مرة عندما خرجت من دار السيد النقيب وهي محجبة تستقل عربة (يجرها حصانان)، إذ لمحها الرقباء من (الجندرمة) الذين انتشروا حول الدار. وعندما تصدوا لها قصد إلقاء القبض عليها افتعل شباب محلة (باب الشيخ) أمراً صرفوا إليه (الجندرمة) عن عربة سارة، وبذلك فوتوا عليهم الفرصة وكان أن أفلتت من أيديهم. ونصرها أهل بغداد ثانية عندما حاول ابن عمها تانييل اختطافها وهي في حديقة بيتها المطل على شاطئ نهر دجلة بزورق أرساه عند الحديقة، فصرخت واستنجدت بجيرانها من الفلاحين المجاورين لبيتها، فهبوا لنجدتها بالعصي و(المساحي) و(المگاوير)، فهرب تانييل بجلده لا يلوي على شيء.
وكانت سارة قد أودعت حليها لدى ابن عمها فطالبته بأن يعيده إليها بعد الذي جرى لها منه ما جرى، فأعاده إليها. وعندما تفحصته وجدت أن واحداً من خواتمها الذي لا يقدر بثمن غير موجود. ولما استطلعت منه عن أمره أخبرها أنه موجود لدى الوالي وأنه يحتفظ به.
وبرغم ما يمتلكه هذا الوالي من المقدرة على التصرف بالأمور، وهو (الحاكم بأمره)، إلا أن سارة تماسكت بشكل بطولي واستطاعت أن تقابل إجراءاته ومضايقاته بصبر وصلابة ثابتة.
واستقر رأيها على استرجاع الخاتم من هذا العاشق الخرف، فجمعت عائلتها وطلبت منهم أن يصحبوها الى بيت الوالي لمطالبته بالخاتم واسترجاعه منه، وكان لها ما أرادت. فقد ساد هذا اللقاء جو من الرهبة والخوف وأخرج الباشا الخاتم من جيبه وقال وهو ينظر الى سارة نظرة امتزجت فيها معاني التهديد بالغضب: "هل أعيد الخاتم إليك يا سارة أو احتفظ به عندي ؟" فالتفتت إليه سارة وأجابته بشجاعة:
"إذا كنت يا باشا تريد الخاتم مقابل ما أسديته لي من جميل فهو لك، أما إذا أردته لشيء آخر فيؤسفني أن أرفض". فانقلبت سحنة الباشا فجأة واحمرت عيناه غضباً واستولى على الحاضرين من الأقارب خوف شديد. وفجأة قال الباشا:
"انصرفوا ..غداً سأبعث الخاتم إليكم"، وانصرف الحضور.
وهنا دخلت السياسة بطرفها في هذا الحادث، إذ كان في بغداد آنذاك أعضاء لكل من حزب الاتحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف والذي كان ناظم باشا أحد أبرز أعضائه. واستغل حزب الاتحاد والترقي ذلك التذمر الشديد وسخط الشارع البغدادي على الوالي وتصرفاته، واستنفروا شهامة أهل بغداد وحميتهم ونظموا الاحتجاجات للتنديد بناظم باشا وسياساته وتنظيم حملة ضده وضد حزب الحرية والائتلاف.
أثناء ذلك، وصل الى بغداد إسماعيل حقي بابان، من أسرة آل بابان العراقية المعروفة، في جولة انتخابية وصحفية باعتباره مراسل صحيفة (طنين) المعروفة بولائها لحزب الاتحاد والترقي. وتم اطلاع بابان على جلية الأمر لكي ينبري لفضح أعمال الوالي على صفحات صحيفته أو في مجلس المبعوثان إن هو فاز بعضويته، ونظم لقاء لسارة به في محلة (الصابونجية) ببغداد. والتقت سارة في دار سليم باشا بالسيد إسماعيل حقي بابان وأطلعته على كل ما جرى، وقد وجدت فيه من الحماس والاندفاع ما زادها شجاعة وصلابة.
وعاد بابان الى اسطنبول ليبسط موضوع سارة هناك، وقام نواب العراق (نائبا الموصل ونواب بغداد والديوانية وكربلاء وكركوك) في مجلس المبعوثان العثماني بتقديم تقرير عما جرى في هذا الموضوع في 12 كانون الثاني-يناير و 6 شباط-فبراير 1911. وانتقد طلعت باشا وزير الداخلية ناظم باشا على سلوكه، ملوحاً بالتحقيق وعزل ناظم باشا.
وسارع أعضاء حزب الحرية والائتلاف الى مؤازرة ناظم باشا والدفاع عنه في صحيفة (صدى بابل) لصاحبها داود صليوه، وصحيفة (الرياض) لصاحبها سليمان الدخيل. واتخذت الصحف البغدادية الأخرى موقف النقد والمعارضة لناظم باشا.
على أن حماقة ناظم باشا دفعته أكثر الى الانحدار في سلوكه بعد أن أحس بنذر الخطر تحدق به، فراح يحاول الحصول على تقرير طبي يؤيد إصابة سارة بمرض عقلي يتطلب وضعها تحت الحراسة. وبلغ الأمر مسامع سارة وأدركت ما يعنيه هذا الإجراء إن نجح ناظم باشا في تحقيقه، فأخذت تعد العدة للخروج من بغداد والهروب الى أية جهة تكون فيها بمنجاة من تصرفه. لذا سارعت الى الهرب من بغداد بمساعدة راهبات دير الراهبات الفرنسيات متخفية بزي راهبة وبصحبة الراهبة هنرييت والراهب الاسباني بيير. واستطاع الثلاثة أن يغادروا محلة (رأس القرية)، حيث يقع الدير، الى منطقة (المصبغة) المجاورة للمدرسة المستنصرية، واستقلوا باخرة من بواخر شركة لنج المعروفة التي كانت ترسو عند شاطئ المنطقة، للذهاب الى البصرة.
كانت سارة ما أن تتخلص من مأزق حتى يعترضها مأزق آخر، لأن الباشا كان مصراً على أن يظفر بها. ولهذا ما أن تفشل خطة حتى يبادر الى أخرى، وكانت سارة تفلت من أي حصار يضربه عليها الباشا مهما بلغت دقته. وكانت العيون التي بثها الوالي في كل مكان قد نجحت في رصد تحركات سارة بشكل دقيق. فقد عرف ناظم باشا أن سارة انتقلت الى باخرة شركة لنج، ولهذا أرسل عدداً من (الجندرمة) لإلقاء القبض عليها.
وحاول جلاوزة الوالي اقتحام الباخرة، إلا أن قائدها منعهم من ذلك، باعتبارها تحمل العلم البريطاني وتابعة لقنصلية أجنبية. وكانت بواخر هذه القنصليات تتمتع بحصانة دبلوماسية كالقنصليات التابعة لها. وهكذا، فشل الوالي مرة أخرى في القبض على سارة. وانطلقت الباخرة الى البصرة، وصدرت الأوامر الى قائدها بأن يقودها بأقصى سرعتها ودون توقف في أية مدينة تمر بها.
وأستمر الوالي الطاغية بمحاولاته للقبض عليها وفكر في وسيلة أخرى. فقد حاول إعادتها من البصرة مدعياً أن راهبات دير الراهبات الفرنسيات أجبرن سارة على التخلي عن مذهبها الأرثوذكسي واعتناق المذهب الكاثوليكي الذي كانت عليه هؤلاء الراهبات.
وتعاونت القنصلية البريطانية في البصرة مع القنصل الروسي هناك لتهريب سارة على إحدى البواخر الراسية في شط العرب والتي كانت تستعد للتوجه الى مدينة بومبي. ورست الباخرة في ميناء بوشهر الإيراني في الخليج العربي، وبقيت هناك مدة من الزمن تحت رعاية السير برسي كوكس المقيم البريطاني في بوشهر، والذي ساعدها في إرسال برقيات الاحتجاج الى اسطنبول، والمحافظة على أملاكها ببغداد من استيلاء ناظم باشا عليها. وقام السير برسي كوكس بإصدار تقرير طبي يؤيد كونها سالمة من أي مرض عقلي، وذلك رداً على طلب القنصلية العثمانية بذلك، تركت بعدها سارة بوشهر الى بومباي حيث استقرت لبعض الوقت.
في 17 آذار-مارس 1911 ورد الأمر من اسطنبول بعزل ناظم باشا من ولاية بغداد. وبعد ثلاثة أيام توجه ناظم باشا بالباخرة الى البصرة، ومن هناك ذهب الى اسطنبول عن طريق بومبي. ولم ينس أثناء مروره بمدينة بومبي أن يبحث عن سارة. وشعرت إدارة الهند البريطانية بالأمر، فأوعزت الى سارة خاتون أن تتوارى عن النظار لفترة ريثما ييأس الباشا المتصابي فيغادر بومبي. وعندما عادت سارة الى شقتها بعد تأكدها من سفره، سلمتها صاحبة البيت رسالة تركها لها ناظم باشا يعبر فيها عن (حبه)، وأرفق معها صورة له !!
وعلى إثر عزل ناظم باشا، نظم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي قصيدة بعنوان (طاغية بغداد)، وفي ما يأتي أبيات منها:
رام هتـكاً لمـا تصـون فتـاة كسبت في أمر العفاف اشتهاراً
بنت قوم لم يدنس العرض منهم بقبيح هم من سـراة النصارى
أيهـا المصـلح الـكبير أهـذا ما يسـميه بعضـهم اعمـارا
يا مهين العراق هل كنت تدري أن أهل العراق ليسـوا غيارى
سر بعيـداً الى سـلانيك عنـا أن فيهــا كواعبـاً أبكــاراً

وتولى ناظم باشا وزارة الحربية عندما تسلم الائتلافيون الحكم في 22 تموز-يوليو 1912، ثم قتل بعد أشهر محدودة من قبل متظاهرين اقتحموا الباب العالي أثناء انعقاد مجلس الوزراء في خضم هزائم الجيش العثماني إبان حروب البلقان الأولى.
وغادرت سارة بومبي الى باريس حيث تزوجت عام 1913 من تانييل اوهانيس تاتيوسيان (1875-1922)، وهو عراقي أرمني. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أوزارها، عادت الى بغداد مع زوجها، وأخذت ترعى ثروتها بنفسها. وقد سمت ولدها برسي (ولد ببغداد في عام 1922 وتوفي فيها عام 1987) تيمناً بالجميل الذي أبداه لها السير برسي كوكس، وسمت ابنتها صوفي (ولدت ببغداد في عام 1917 وتوفيت فيها عام 2002) على اسم أمها وعمتها. كما ولدت لها ابنة أخرى أسمتها ادما (ولدت ببغداد في عام 1919 وتزوجت في انكلترا وتوفيت فيها هذا العام -2006-).
ويروي الذين عاصروها الكثير من الحكايات عن كرمها الذي تجاوز حد المعقول الى التبذير والإسراف، فجاء هذا الإسراف على آخر فلس من ثروتها، فضلاً عن عملية الإحتيال التي تعرضت لها. وقد أحيطت بالخادمات والطباخات وبسائقها، وكانت الدعوات التي تنظمها في بيتها فريدة من نوعها في بغداد.
وتميزت سارة خاتون أيضا بمواقفها المشرفة من بني جلدتها من الأرمن الذين عانوا من مجازر الإبادة الأرمنية على يد الحكام العثمانيين عام 1915. ففي هذا العام، تم تهجير قافلة نضم نخبة من المثقفين والبارزين من الأرمن في بغداد، بضمنهم الأستاذ والمربي الفاضل ومدير المدرسة الأرمنية ببغداد مهران سفاجيان الذي هجِّر الى رأس العين حيث توفي. كما استشهد هاكوب نرسيسيان، وهو لغوي من القدس وكان مترجماً في القنصلية البريطانية في بغداد، وكارنيك كيومجيان وآخرين. وأعقبت هذه القافلة قافلة ثانية من المهجرين. ولدى علم سارة بأنه يتم الإعداد لتهجير قافلة ثالثة من الأرمن، لجأت الى بعض الأعيان العرب وسألتهم الوساطة لدى الوالي للعدول عن قرار التهجير. وبجهود سارة، تم إنقاذ أفراد هذه القافلة وتوقفت عملية تهجير الأرمن.
وفي عام 1917، أسست سارة خاتون مع عدد من النساء الأرمنيات في بغداد الهيئة النسوية الأرمنية لإغاثة المهجرين الأرمن بفعل مجازر الإبادة الأرمنية في الدولة العثمانية عام 1915، والتي راح ضحيتها مليون ونصف المليون من الأرمن وترك عشرات الألوف من المهجرين والمشردين. وفي الوقت ذاته، قامت سارة خاتون وزوجها تانييل (قبل أن يتوفى في باريس في عام 1922) بتوزيع الطعام والملبس على 20 ألفاً من المهجرين الأرمن في العراق.
وبزيادة عدد المهجرين الأرمن، أصبح حي (كمب الكيلاني) لا يستوعبهم، مما استدعى تدخل سارة مرة أخرى لإبداء المساعدة، إذ قامت في العام 1937 بتوزيع أراضيها لقاء مبالغ مالية زهيدة. ولكي تمنع أي استغلال، وتضمن حصول أكبر فئة من الناس على هذه الأراضي، لم تبع أية قطعة أرض تزيد مساحتها على 150 متراً. وسمي هذا الحي الأرمني حي (سارة الزنگينة) أو (كمب سارة).
ومنذ عام 1938، كانت سارة خاتون توفر الملابس والقرطاسية لجميع الطلبة المتعففين في مدرسة الأرمن. وعلى الرغم من ظهور البوادر لأزمتها المالية، فأنها استمرت بعملها الخيري هذا مدة عشر سنوات بلا انقطاع.
وبعد تأزم أوضاعها المادية أتتها الضربة الكبرى، إذ فقدت في يوم واحد، وإثر عملية احتيال تعرضت لها، كل ما تملك حتى منزلها. وقام أناس بمساعدتها بشكل ظاهر أو مستتر. وقد استمرت خادمتها المخلصة وسائقها الشخصي بخدمتها بلا مقابل حتى وفاتها في 5 كانون الأول-ديسمبر 1960.
ووصف ليباريد آزاديان مؤلف كتاب (ذكريات دجلة) واقعة جمعته بسارة خاتون في بغداد بعد أن فقدت ثروتها، فقال:
"في يوم صيفي لاهب وفي الساعة الثانية بعد الظهر، وعندما كنت أقود سيارتي لمحت سارة خاتون وهي تنتظر في محطة لحافلات الباص، من دون أن تضع قبعة يحمي رأسها من أشعة الشمس. وكان منظراً لا يصدق. وفكرت في أنها يمكن أن تصاب بضربة شمس، وقد تجاوزتها، بيد أن ضميري أخذ يؤنبني. كيف كان في إمكاني تجاهل سارة خاتون وتركها في هذا الوضع، وأنا الذي كنت أردد أسمها المشرف دائماً في طفولتي، وقررت العودة لمحطة الناص وقلت لها:
- سيدة سارة، تفضلوا، سأنقلكم بسيارتي الى حيث ترغبون. فكان جوابها:
= شكراً ولدي، ستضايق نفسك. فقلت لها:
- لا توجد أية مضايقة، وأرجو كثيراً أن لا ترفضوا عرضي هذا.
ونزلت من السيارة وقدتها إليها، وكان العرق يتصبب منها بغزارة !! وفي الطريق قلت لها:
- سيدة سارة، إنكم لا تعرفونني. أنا وأمثالي جثنا مهاجرين الى بغداد وحظينا بدعمكم المعنوي والمادي، وأنني أشعر دائماً بالعرفان بالجميل تجاه شخصكم، وأنكم بإعمالكم الخيرية صرتم فخراً لأرمن بغداد.
ولم يصدر منها أي تعليق على كلامي هذا. وعندما وصلنا، فتحت لها باب السيارة. وبعد أن نزلت من السيارة، رفعت رأسها وقالت لي:
= شكراً، أيها السيد".
لقد كانت حياة سارة خاتون مليئة بالمآسي التي واجهتها بكل صلابة وشجاعة، فقد توفي أخ لها في عمر خمسة شهور قبل ولادتها. كما توفيت، وهي في سن صغيرة، أمها وأختها الصغيرة وأبوها، وتلاعب عمها بثروتها، وتعرضت للصعوبات الكثيرة إثر ملاحقة الوالي ناظم باشا لها بسبب حبه لها الذي رفضته. كما توفي زوجها ولم يمض عشر سنوات على زواجهما، وأخيراً فقدت ثروتها الطائلة. ورحلت سارة عن هذا العالم والحزن يعتصر قلبها، وهي لم تفهم لماذا يكون القدر قاسياً معها الى هذا الحد، وهي التي سعت دائماً الى فعل الخير للآخرين.
وتحتل سارة خاتون المرتبة الأولى في قائمة المحسنين في تاريخ الأرمن في بغداد، لأنها أنقذت الأرمن من القتل العثماني وساعدت المهجرين، وأدخلت البهجة والسرور في نفس الأطفال المتعففين. وكانت سارة محبوبة ومحترمة جداً من قبل الجميع، وكان الأعيان العرب ينظرون إليها على أنها أميرة ويجلونها كثيراً. كما حظيت بالاحترام الخاص من قبل البلاط العراقي.
وقد تحقق حلم الكاتب العراقي حامد المالكي في إنتاج مسلسل سارة خاتون الذي كتبه قبل سبع سنوات وقدمه الى القناة العراقية الأولى، ومن ثم الى عدد من القنوات الفضائية والشركات الإنتاجية، ولكنه لم يتم التوصل الى اتفاق لإنتاج هذا المسلسل. وقال حامد المالكي عن سارة: إنها كانت امرأة فاحشة الثراء والجمال، أعجب بها ناظم باشا وبشخصها وحبها للناس، إذ بنت للفقراء حياً يدعى الآن (كمب سارة)، وهي أول امرأة ركبت السيارة في العراق وكان نوعها (اوفرلايت) ورقمها 30. وأضاف: إن سارة خاتون عادت الى العراق (من باريس) لتعيش بين أحضان بلدها الذي كانت تحبه ولا تتخلى عنه، على الرغم من ثرائها وإمكانية عيشها في أي مكان تشاء، ولكن حبها للعراق وناسه جعلها ترجع وتتوفى فيه، وهي ماتت فقيرة ومعدمة لا تمتلك أي شيء. واعتبر المالكي المسلسل ملحمة في الدراما العراقية. ولعبت دور سارة في المسلسل ريام الجزائري المقيمة في سوريا، وهي ابنة أخ السياسي العراقي ووزير الثقافة الأسبق مفيد الجزائري والإعلامية فريال حسين. ودور سارة هو أول دور يسند لها.
كما عد المسلسل علامة بارزة في مسيرة تجربة المخرج العراقي صلاح كرم التي تمتد الى أكثر من ربع قرن من الزمن على الرغم من المآخذ على هذا المسلسل، منها ما يتعلق بجوانب من البناء الدرامي، والدقة والأمانة التاريخية، الى جانب الإسراف في إخضاع المسلسل الى سلطة الخيال وبناء أحداث فرعية. وأقحمت في المسلسل شخصيات غير حقيقية لغاية يرمي إليها المؤلف الذي قال:
".. أردنا أن نظهر الألفة والتعايش بين الديانات في العراق عبر زواج حامد العربي المسلم من رحلو (رحاب) اليهودية .. ومن خلال علاقة حب سارة الأرمنية بشوكت المسلم". ولدى إجابته عن السؤال حول الشخصيات التي لها وجود تاريخي حقيقي مطابق لما ظهر على الشاشة، قال:
"سارة ووالدها وعمها وابنه وعمتها والخادمتان لولو وفريدة والزهاوي .. الولاة بينهم ناظم باشا حقيقيون. داود النقيب وسبع صاحب المقهى ورحلو الحلبية وطيرة. ما ابتكرتاه لم يخل بسياق سرد الأحداث وكفى !"، مما يدل على عدم كون شخصية حامد البغدادي وشوكت وغيرها من الشخصيات حقيقية. وهي (إضافات) تشوه، عن غير عمد، الصورة الحقيقية لشخصية سارة.
لقد مر الكثير من الأثرياء عبر التاريخ، إلا أن أيا منهم لم يكتسب لقباً من هذا الثراء، إلا سارة التي اكتسبت من ثرائها لقباً اشتهرت به في العراق بـ (سارة الزنكينة)، أي الثرية. فكانت ثرية بحق بأخلاقها وعفتها وكرمها وحبها لعراقيتها وللناس وسعيها لمساعدتهم وحب الناس لها قبل ثرائها بالمال.


المصادر:
· د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الثالث، مطبعة الشعب، بغداد، 1972، ص 155 و ص ص 181-184.
· ليباريد آزاديان، ذكريات دجلة، دار نشر نافاسارت، لوس أنجلس، الولايات المتحدة الأميركية، 1990، ص ص 95-100 (باللغة الأرمنية).
· ماجد أحمد العزي، سارة المليونيرة العراقية التي ماتت فقيرة، مجلة ألف باء، بغداد، 27 أيار 1981، ص ص 42-45.
· د. أحمد السبتي، كمب سارة خاتون وسدة ناظم باشا، مجلة الاختيار، بغداد، العدد 23، ص ص 15-16.
· سجلات مطرانية الأرمن الأرثوذكس في العراق، بغداد.
· آ. ك.ابراهاميان، وصف موجز لتاريخ الجاليات الأرمنية، ج2، يريفان، 1967، ص 52 (باللغة الأرمنية).
· كارو كيفوركيان، الجالية الأرمنية في العراق (منذ نشوئها وحتى الآن)، الكتاب السنوي للجميع، السنة الرابعة، 1957، بيروت، لبنان، الصفحات 406، 410-411 (باللغة الأرمنية).
· كتاب الذكرى لجمعية الشبيبة الأرمنية في بغداد- صدر لمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيسها (1926-1976)، بغداد، ص 191 (باللغة الأرمنية).
· آرشاك آل بوياجيان، الأرمن العراقيون، هيئه للنشر وحرره فارتان كريكوريان، معهد ماشدوتس للمخطوطات القديمة –الماديناتاران، يريفان، أرمينيا، 2003، ص 73 (باللغة الأرمنية).
· ناطق خلوصي (قاص وناقد)، سارة خاتون .. واقعية الحدث وتوظيف الخيال، ملحق ألف ياء، صحيفة الزمان، بغداد، العدد 2551، 21/11/2006، ص 11.
· مجيد السامرائي، حامد المالكي: مسلسل سارة خاتون يعادل رسالة دكتوراه. سلالة من صلب البغدادي موضوع الجزء الثاني، صحيفة الزمان، بغداد، العدد 2558، 30/11/2006، ص 19.
· إسراء خليفة، بمشاركة فنانين عرب- مسلسل سارة خاتون يبدأ تصويره في سوريا، صحيفة الصباح، بغداد، العدد 863، 18 حزيران 2006، ص 10.

[1] وردت تفاصيل القصة في الفصل الأول من كتاب خيري العمري (حكايات سياسية) المنشور في القاهرة في عام 1969.

Tuesday, December 05, 2006

مقالات لكتاب أتراك تخالف الرواية الرسمية التركية للإبادة الأرمنية 5

"المؤرخ مراد بارداكجة يرى الألمان وراء مزاعم الإبادة الأرمنية"


نشرت صحيفة (مرمرة) الصادرة باللغة الأرمنية في اسطنبول[1] في 6 حزيران-يونيو 2005 مقالة تحت عنوان: "المؤرخ مراد بارداكجة يرى الألمان وراء مزاعم الإبادة الأرمنية"، جاء فيها:
"ضيَّف الكاتب في صحيفة (راديكال) نيشي دوزيل في عموده في الصحيفة هذا الأسبوع مؤرخاً يدافع عن آراء متناقضة هو الكاتب في الصحيفة ذاتها مراد بارداكجة. وجرى الحديث عن قضية الإبادة الأرمنية، وقد رفض بارداكجة بشدة اتهامات الإبادة، وتناول مسألة التهجير بالبقاء في الدائرة الضيقة لوجهة النظر الرسمية، إلى درجة اضطر معها نيشي دوزيل إلى إظهار التحفظ كل مرة وإظهار معارضته في الرأي. ولا تحمل إجابات بارداكجة أي جديد، ما عدا نقطة واحدة، وهي إصرار بارداكجة على أن ألمانيا هي التي تقف وراء مزاعم الإبادة الأرمنية، وهي التي تقدم المساعدات المالية للمهجر (الأرمني) والمؤرخين الأجانب الذين يتبنون مواقف مؤيدة للأرمن، لأن ألمانيا (بحسب بارداكجة) لا تريد أن تبقى وحيدة في جريمة الإبادة، أي أنها تريد أن ترى تركيا إلى جانبها كدولة ارتكبت الإبادة، على الرغم من أن سلطات الاتحاديين في الدولة العثمانية كانت قد حصلت أيضا على موافقة ألمانيا على أعمال التهجير قبل تنفيذها".
وأضافت الصحيفة:
"ويسوغ مراد بارداكجة بشكل كلي أعمال التهجير ويعدها شرعية، حتى أنه يعد طبيعياً جداً الجرائم المرتكبة خلالها، لأنه يعزو كل ذلك إلى أعمال التمرد التي قام بها الأرمن. وكان للسلطات والشعب في الدولة العثمانية[2] غضب شديد بسبب أعمال التمرد تلك، لأنه في ظروف الحرب كان الأرمن يطعنوهم من الخلف. وقال بارداكجة أنه برغم عدم رغبته في استخدام تعبير –الطعن من الخلف- إلا أنه مضطر لاستخدامه".
وتابعت الصحيفة القول:
"إن مراد بارداكجة الذي أثار في الآونة الأخيرة غضب المحافظين بنشره مضمون دفتر طلعت باشا ذي الغلاف الأسود، يريد هذه المرة موازنة وجهات نظره وتحميل الأرمن المسؤولية الكاملة لما جرى، وقد أرادوا (بحسبه) إقامة دولة في الأناضول. ولا تأتي إجاباته واضحة تماماً عندما يوجه له نيشي دوزيل أسئلة صعبة، منها، على سبيل المثال، عندما يُسأل: لماذا تم التهجير أيضاً من الولايات الغربية التي لم تشهد أعمال تمرد، أو ماذا حدث لممتلكات الأرمن المهجّرين، أو لماذا لم يتم تهجير الأرمن من اسطنبول أيضاً عندما يزعم حدوث أعمال تمرد وإرهاب فيها، أو ماذا كان الغرض الحقيقي لطلعت باشا عند اتخاذه لقرار التهجير، وماذا حدث للمفكرين المعتقلين في اسطنبول. إن وجهة نظر بارداكجة تتلخص في أنه تم اعتقال 200 مفكر من اسطنبول، والذين كانوا جميعاً أعضاءً في حزب الطاشناق أو كانوا متمردين سياسيين. وقد عاد من هؤلاء كوميداس[3] فقط بفضل مساعدة (الكاتبة التركية) خالدة أديب، وفي حالة فقد فيها توازنه العقلي. ويبدو أن بارداكجة يقبل بحقيقة أن جميع المفكرين قد قتلوا، بيد أنه لا يظهر أي تحفظ أو انتقاد لذلك. ويتبنى بارداكجة الموقف ذاته عندما يسأله نيشي دوزيل: هل من الصحيح تهجير المواطنين الأبرياء، كالأطفال وغيرهم، الذين لم يثبت ارتكابهم لأي ذنب ؟ ويرى بارداكجة هذا القرار صحيحاً، لأن هؤلاء (في رأيه) كانوا يمثلون "الخطر المحتمل" !![4] ويضطر نيشي دوزيل إلى طرح السؤال: كيف يمكن لحكومة قوية أن لا تمتلك القدرة على حماية مواطنيها الأبرياء أيضاً ؟".
وفي نهاية اللقاء جرى الحديث الآتي:
"قال نيشي دوزيل لبارداكجة: إنني، بوصفي أحد زملائك الذي سيبحث دائماً عن الحقائق التاريخية، سأوجه لك سؤالاً آخر: في حال حدث للأتراك ما حدث للأرمن عام 1915، هل كان في مقدوركم حينذاك أن تعدون عمليات القتل طبيعية، وهل كنتم ستنسون كل ذلك؟".
وكان جواب بارداكجة الأتي:
"مهما تتطور العلاقات بين تركيا وأرمينيا، لا يمكن مسح أحداث الماضي من ذهن الأرمن أو الأتراك. ومن وجهة نظر الجانبين، وقعت أحداث سيئة، وهذا هو الجانب النفسي للمسألة. وتملك المسألة أيضاً جانباً سياسياً والتي يتطلب حلها توجهان، الأول: قبول الأرمن بأنهم ضربوا تركيا من الخلف، ولكنهم لا يستطيعون قبول ذلك. وفي مقابل ذلك، لا تستطيع تركيا القول: أنت ضربتني من الخلف، وأنا قمت بتصفيتك. أما المتوفون، فقد توفوا وانتهى أمرهم، ويمكن للطرفان أن يكررا هذا القول بعد مئات السنين. إن القضية الأرمنية، بالنسبة لبعض الدوائر، هي مصدر عيش وشهرة، وإن الأرمن في المهجر سيعارضون الحل، لان هنالك من يكسب مالاً من هذا العمل. وعندنا أيضاً سيتواجد أناس يعارضون الحل، لأنهم يستلمون مالاً لهذا العمل من التخصيصات السرية لرئاسة الوزراء، ومن هنا وهناك، ومن بعض التمويل الحكومي ويقومون بالنشر من دون أن يؤدوا عملاً ما" !!
وهنا نقول: إن بارداكجة لم يجب عن تساؤل دوزيل في إمكانية اعتباره عمليات القتل طبيعية في حال حدث للأتراك ما حدث للأرمن عام 1915. كما أن بارداكجة يساوي ما بين الجلاد والضحية، وينكر الحقيقة التاريخية للإبادة الأرمنية، ولا يذكر الحل لهذه المسألة، والذي باتت دول عديدة في العالم، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي تطالب تركيا اتخاذه لحل هذه المسألة، وهي التصالح مع الماضي والاعتراف بالإبادة الأرمنية والتنصل من أعمال السفاحين من زعماء حزب الاتحاد والترقي بحق الأرمن وجميع شعوب الدولة العثمانية، فضلاً عن التعويض المادي والمعنوي لورثة الضحايا وإرجاع الأراضي والممتلكات الأرمنية إلى أصحابها الشرعيين.


[1] http://www.normarmara.com/lur.html
[2] لم يكن هناك شعب عثماني، بل مجموعة من الشعوب هم: الأتراك والأكراد والأرمن والعرب واليونانيين وغيرها. ويحكم الدولة العنصر التركي، الذي كان يشكل 6 ملايين فقط من مجموع 30 مليون نسمة في الدولة العثمانية بحسب تقارير السفراء الأجانب المعتمدين في اسطنبول آنذاك، يحكمون من خلال السيطرة على الجيش.
[3] هو كوميداس الراهب (1869-1935) من أشهر المؤلفين الموسيقيين الأرمن في العصر الحديث. وقد أثرث فيه ظروف اعتقاله، فاختل توازنه العقلي حتى توفي في إحدى مصحات باريس عام 1935.
[4] أي عقلية جرائمية يملكها هذا الشخص الذي يدعي أنه مؤرخ ويرى قتل الأطفال صحيحاً، لأنهم يمثلون "الخطر المحتمل" !! ولا يحمل مثل هذه العقلية غير الاتحاديين والنازيين والصهاينة والسفاحين. بئساً لهؤلاء كلهم الذين لا ينتمون للجنس البشري.

مقالات لكتاب أتراك تخالف الرواية الرسمية التركية للإبادة الأرمنية 4

"لقد حان الوقت للاختيار"
نشرت صحيفة (مرمرة) الصادرة باللغة الأرمنية في اسطنبول في 5 أيار-مايس 2005[1] نص المقالة التي نشرها الكاتب التركي (آيهان آكتار) في صحيفة (راديكال) بعد ترجمتها إلى الأرمنية. وقد دافع كاتب المقالة عن قناعته بأن الرواية الرسمية التركية في مسألة الإبادة الأرمنية بدأت بالتصدع، وأن على تركيا أن تختار بين كاتبة مبدئية، مثل خالدة أديب[2]، ومجرم مثل بهاء الدين شاكر[3]. وتحمل مقالة آيهان آكتار العنوان: "لقد حان الوقت للاختيار".
وقال اكتار: "إنه تم بث (في التلفاز) مناقشات (حول قضية الإبادة الأرمنية)، وقام أناس (مختصون) بدحض (أكذوبة الإبادة)، وتم نشر (مضمون) دفتر طلعت باشا ذي الغلاف الأسود في الصحف، ثم توقف فجأة نشر سلسلة المقالات هذه. وقام عدد من السفراء السابقين و (المختصين بالشؤون الأرمنية) بزيارة الجامعات وإلقاء المحاضرات بغرض (تنوير الطلبة)".
وأضاف اكتار: "إلا أنه طرأ شيء جديد هذه السنة. فلأول مرة بدأ رجل الشارع الجدل بشأن القضية الأرمنية، وأصبحت (وجهة النظر) الرسمية، التي تشكلت أثناء العمليات التي نفذتها (آسالا)[4]، لا تواكب الزمن الحالي، وقد بدأت بالتصدع. وتم فتح الصناديق القديمة في البيوت وأخرجت منها محتوياتها القديمة. ومن أكثر هذه الذكريات تميزاً كتاب (جدتي) الذي تحول إلى أكثر الكتب مبيعاً[5] (في تركيا)".
وتابع القول:
"إن الحكومة (التركية) اقترحت على أرمينيا تسليم هذه المسألة للمؤرخين. وفي هذا الصدد، لا يمكن إلا القبول بوجهة النظر للبروفسور شكري هاني اوغلو القائلة: <<بدلاً من هذه النظرية الخيالية، فإنه يجب بلورة –سياسة- ما بالتشاور مع المؤرخين والاستفادة من بحوثهم في هذا المجال. ولا يحل هذه المسالة مؤرخو الطرفين، بل السياسيين>>(صحيفة زمان، 20 كانون الثاني-يناير 2005)".
ثم قال:
"في 14 نيسان-أبريل (2005) انتقدت من على صفحات هذه الصحيفة قرار البرلمان (التركي) في 13 نيسان-أبريل ضد (الكتاب الأزرق) البريطاني، وقلت إن هذه الإستراتيجية خاطئة. وقلت إن ادعاء النخبة العليا لحزب العدالة والتنمية والسفير السابق شكري الكداغ بأن هذا الكتاب <<لا أساس له وغير موثوق فيه>> غير صحيح، وذلك لأنه فيه نشرت الأسماء الحقيقة للأشخاص الذين تم الاستشهاد بهم في الطبعة الجديدة لهذا الكتاب الذي صدر في العام 2002. وكنت قد ذكرت أيضاً أنه لا تتم الاستفادة من هذا الكتاب من قبل الوسط الأكاديمي الآن".
وأشار إلى أن كتاباته قد أزعجت كثيراً السيد الكداغ الذي كتب رداً له في 27 أبريل-نيسان (2005)، قال فيه عن (الكتاب الأزرق): "إنه المصدر الأهم الذي يعتمده المؤرخون الأرمن، ويعد دعامة زائفة لمزاعم الإبادة، ويدعو إلى العداء ضد تركيا".
وقال ايهان آكتار: إن الكداغ قد استخدم ضده أوصافاً، مثل جاهل وشائن وشخص يفكر مثل الطاشناقيين[6] المهتاجين"، مضيفا: إنه لا ينوي النزول إلى مستواه، بيد أنه كان قد كتب أن الذين يتبنون توجهات "الدولة المشرَّفة" يدينون أشخاصا مثله بذنب خيانة الوطن، مبديا الأسف أنه كان على حق.
وأشار اكتار في مقالته إلى المصادر بشأن الإبادة الأرمنية، فقال:
"أريد أن أعطي بعض المعلومات لأثبت أن (الكتاب الأزرق) اليوم لا يقرأ كثيراً من قبل العلماء. وقد شاهدت في موقع الانترنت الخاص بمكتبة جامعة هارفرد الوثائق الأرشيفية الآتية المستخدمة عن الإبادة الأرمنية، وهي:
1. روبين اداليان، الإبادة الأرمنية بحسب الوثائق الأميركية، وهو مجلد من الوثائق والصور يتألف من نحو 37 ألف صفحة.
2. جيمس بارتن، ضروب من الوحشية التركية، 1998، 210 صفحات، مشيغان.
3. آ. دير اوهانجيان (الاسم الصحيح هو آرتيم اوهانجانيان، آ.س.)، وثائق الأرشيف الرسمي النمساوي، فيينا، 1995، 12 مجلداً.
4. آرتور دير بيليريانvd] Hk Hu'd أريد أن أعطي (الاسم الصحيح هو آرتور بيليريان، آ.س.)، القوى العظمى والإمبراطورية العثمانية والأرمن في الأرشيفات الفرنسية، باريس، 1983، 792 صفحة.
5. تمت ترجمة وثائق الأرشيف الرسمي الألماني إلى الانكليزية ووضعت على شبكة الانترنت.
والى جانب ذلك، تتوفر في جامعة هارفرد 60 كتاباً منشوراً بلغات متعددة من قبل أرمن ناجين من المجازر. ومن المثير للاهتمام أن 28 كتاباً من هذه الكتب طبعت بعد العام 1990"[7].
وتساءل اكنار: "عندما تكون هناك وفرة كهذه من المصادر والوثائق، من سينظر بعين الجدية إلى (الكتاب الأزرق) المنشور عام 1916 ؟"، وأجاب بنفسه عن تساؤله بالقول: "السيد الكداغ والنخبة العليا لحزب العدالة والتنمية وحدهم يمكن أن ينظروا بعين الجدية إلى هذا الكتاب".
وتابع اكتار القول:
"وأمام هذه الوفرة من المصادر، ما مدى تأثيرنا عندما نقول للمؤرخين: لقد فتحنا أرشيفاتنا، وندعوكم للعمل فيها. وعلى طالب الدكتوراه الأجنبي أن يتعلم أولاً اللغة التركية، ثم يتعلم التركية القديمة[8] ليتمكن من فك الشفرة لبرقيات وزارة الداخلية. حسناً، لنفترض أن هذا الطالب تمكن من التغلب على هذه الصعوبات، ونشر رأياً مختلفاً عن الرواية الرسمية لنا. هل سيتمكن من مواصلة العمل في أرشيفاتنا ؟ وقبل أيام، قال شخص يعتبر نفسه مختصاً من على شاشة التلفاز: ليفتح الأرمن أرشيفاتهم أيضاً، ولكن ما قيمة هذا الكلام وأنت لا تملك حتى مؤرخاً واحداً يتقن اللغة الأرمنية كي تقوم بإرساله إلى هناك".
ثم قال اكتار:
"بعض الناس يصفون حالتنا هذه بـ (الكسل المميت)، ولكن في اعتقادي، لا يعد الكسل سبباً، بل نتيجة. ودعنا نطرح السؤال الآتي: مَن مٍن الأكاديميين الشباب والبارزين سيرغب في العمل في موضوع محدود كهذا ؟". ثم يجيب بنفسه عن هذا التساؤل بالقول:
"إن الناس الذين يتمتعون بقابليات محدودة والخانعين والمستلمين للرواتب الشهرية والمجردين من الخصائص الأكاديمية والخاضعين للكبار هم من سيتناولون هذا الموضوع. وستظهر وجهات النظر المكررة لبعضها، وبشكل عام، ستظهر الدراسات التي تذكرنا بالدعاية الصادرة من الأتراك والموجهة للأتراك، وكتب لا قيمة لها. وبالنسبة لهؤلاء، فإن العمل كمؤرخ لا يختلف عن العمل في مجلس المدينة، وأنه مجرد وظيفة يشغلونها. وليس لهم أي حماس، ولا يتفاعلون مع موضوعهم، وهم مصابون بالكسل. وبالنسبة لهم، فإن تنظيم (تشكيلات مخصوصة)[9] هو تنظيم وطني وزعيمه الدكتور بهاء الدين شاكر هو بطل قومي. ويبدأ هؤلاء كلامهم بضرورة استمرار الدولة ودوامها، وهم يرمون الكرة ويستلمونها أيضا".
ثم يختتم اكتار مقالته بقصة اقتبسها من مذكرات فالح رفقي عطاي المسماة (زيتين داغ) بالقول:
"في محطة قطار (أضنة)، تعرف الدكتور بهاء الدين شاكر وخالدة أديب إلى بعضهما البعض. وكانت الكاتبة التركية تتعرف، للمرة الأولى، إلى بهاء الدين شاكر الذي كان الموجه الرئيس لأعمال تهجير الأرمن[10]. وفي القطار بدءا يتجادلان حول القضية الأرمنية. وعند نزول بهاء الدين شاكر من القطار، التفتت خالدة أديب هانم لفالح رفقي عطاي وقالت له بعصبية شديدة: لقد كنتم سبباً في أنني أقوم، وبلا علم مني، بمصافحة رجل مجرم. ومن جهة أخرى، قال بهاء الدين شاكر لفالح رفقي: <<إن شباباً قيمين مثلك لا يجب أن يكونوا على صلة بهذه المرأة>>. ويبدو أن علينا أيضا، وفي العام 2005، أن نجادل أيضا بشأن القيم التي يمثلاها هذان الشخصان عند الجدل بشأن القضية الأرمنية. هل سنختار خالدة أديب، أو بهاء الدين شاكر ؟ ليكن الاختيار لكم".

[1] http://www.normarmara.com/arsiv/2005/05/050505lu.html
[2] لا ينسى الدور القذر الذي لعبته خالدة أديب في تتريك الأيتام الأرمن خلال الإبادة الأرمنية.
[3] أحد زعماء حزب الاتحاد والترقي وقائد (التشكيلات المخصوصة) التي شكلت أثناء الإبادة الأرمنية لعام 1915 لقتل الأرمن.
[4] الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا.
[5] وكانت المحامية فتحية تشيتين أول من طرح المسألة علنا في كتاب بعنوان "جدتي" صدر أواخر 2004 وكشفت فيه عن أصل جدتها هيرانوش التي ولدت في قرية ارمنية في محافظة ايلازيغ شرق تركيا. وتستند هذه السيرة الذاتية إلى الشهادة التي أدلت بها المرأة المسنة في آخر عمرها، واستعادت فيها ما قاسته من إحداث مؤلمة منذ عام 1915، من قتل الرجال في قريتها ونفي النساء مرورا بتبني عائلة تركية لها واعتناقها الإسلام. وتم بيع 12 ألف نسخة من هذا الكتاب وهو رقم مبيعات محترم جدا في تركيا بالنسبة لقصة حقيقية. وينتظر الكتاب حاليا صدور الطبعة السابعة منه. وتقول المحامية أن "أهم ما في ذلك هو أن أشخاصا مثلي اتصلوا ليقولوا لي: انا أيضا، جدتي..."، متحدثة عن "مئات" الشهادات التي وصلتها منذ صدور الكتاب والتي "حملت دائما ذكرى العذاب". راجع:
http://www.albaladonline.com


[6] الطاشناق هو حزب التحالف الثوري الأرمني الذي تأسس عام 1890 في مدينة (تفليس) عامة جورجيا.
[7] انظر أيضاً إلى بعض المصادر عن الإبادة الأرمنية التي أشرت إليها في مقالتي في هذا الموقع تحت عنوان: " مؤرخ تركي: المهجر الأرمني اقنع العالم كله بموضوع الإبادة".
[8] يقصد اللغة التركية بحروف عربية.
[9] وهو التنظيم السري الذي شكلته القيادة العليا لحزب الاتحاد والترقي والذي نفذ مخطط الحزب بتهجير الأرمن وإبادتهم في الدولة العثمانية عام 1915.
[10] الأصح أعمال تهجير الأرمن وإبادتهم.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
p--cmYrAD_e345B