Showing posts with label الارمن في العراق. Show all posts
Showing posts with label الارمن في العراق. Show all posts

Sunday, May 27, 2012

العراقيون الأرمن اللاجئون الى سورية في رعاية مطرانية الأرمن الأرثوذكس في حلب - Aztag Arabic

"عنكاوا كوم" تفتح ملف مدرسة الارمن في الموصل








عنكاوا كوم – الموصل – خاص

ترك الارمن الأرثوذكس في مدينة الموصل الكثير من بصمات حضورهم في هذه المدينة من خلال إبداعهم المهني فبقيت بعض أسماء النخب شاخصة في مخيلة الكثيرين، ليتذكروا أعمالهم ومآثرهم دليلا على التعايش المشترك الذي كان يسود تلك المدينة في حقب كثيرة من تاريخها، الا ان الحواضر التي تركها الارمن بقيت ماثلة تحكي بإستفاضة ما قدمته هذه الطائفة من إبداعات وماثر جميلة ومميزة.
ولعل من تلك الحواضر كنيسة الارمن الأرثوذكس التي ما زالت تمثل سجلا تاريخيا يتحدث عما لقيه الارمن في التاريخ، فضلا عن مدرسة الارمن تلك اللافتة التي رفعت على مدرسة تقع في فرع يفضي لحديقة الشهداء في منطقة الدواسة في مدينة الموصل والتي طالما داعبتني حروف تلك اللافتة لازور المدرسة واعد تقريرا عنها، الا ان الأيام السابقة وضعت حدا لتلك الأحلام بعد ان باشرت مجموعة من العاملين أعمال الهدم لموقع المدرسة بحجة قدمها وحاجة البناية لإعادة تأهيلها بعد ان كانت جدرانها آيلة للسقوط، فضلا عن نقل المدرسة
الى موقع مؤقت لمشاركة مدرسة أخرى في المنطقة لموقعها ريثما يعاد بناء المدرسة من جديد

Monday, May 14, 2012

اجتماع عام لطائفة الارمن الارثوذكس في العراق




عقدت طائفة الأرمن الارثوذكس في العراق الاجتماع العام للطائفة برئاسة سيادة المطران الدكتور افاك اسادوريان وضم الاجتماع الذي عقد في كنيسة مار كريكور المنور في بغداد ضم رجال الدين ورؤساء واعضاء اللجان الادارية المركزية والفرعية في انحاء العراق كافة ، وفي اليوم الاول من الاجتماع وصلت جميع الوفود المشاركة الى مقر المطرانية في بغداد، وأفتتح جدول أعمال الاجتماع بالصلاة الربانية ثم القى نيافة المطران افاك اسادوريان كلمة رحب خلالها بجميع المشاركين في الاجتماع.ثم القى رئيس اللجنة المركزية لطائفة الارمن الارثوذكس في العراق باروبر هارتيون هاكوبيان كلمة رحب خلالها بالمجتمعين قائلا اننا اليوم نعقد اجتماعا هذا لنتباحث معا في السبل لالتي تؤدي الى تقدم وازدهار طائفتنا بالرغم من السنوات الاخيرة الصعبة التي عشناها في العراق وان احد بنود هذا الاجتماع هو انتخاب الرئيس الروحاني لطائفتنا للسنوات الاربع المقبلة، بعدها تم تقديم بعض من التاملات في الكتاب المقدس بالمناسبة.
وفي اليوم الثاني ترأس نيافة المطران افاك اسادوريان الاجتماع العام للاباء الكهنة بحضور عدد من اعضاء اللجان المركزية والفرعية بصفة مراقبين وتضمن تقديم تقارير الاباء الكهنة والنشاطات الخاصة بالكنيسة وابنائها، كما عقد اجتماع اخر لمحاسبي اللجان المركزية والفرعية وتمت قراءة التقارير الادارية والمالية لجميع اللجان وتقرير الاباء الكهنة، بعد ذلك تم انتخاب نيافة المطران افاك اسادوريان رئيسا روحيا لطائفة الارمن في العراق للسنوات الاربع المقبلة، بعدها قدم الاباء الكهنة ورؤساء واعضاء اللجان المركزية والفرعية تهانيهم الى سيادة المطران افاك اسادوريان.



قناة عشتار الفضائية

Monday, July 02, 2007

الأرمن في العراق ماضياً وحاضراً

تاريخ تواجد الأرمن في العراق

عرفت أرمينيا في مدونات الملك سرجون الاكدي وحفيده نرام سين (الألف الثالث ق.م) باسم (ارماني أو ارمانم). وقد دخلت
 الإمبراطورية الأشورية مع الجارة الشمالية مملكة اورارتو، أو (آرارات) في أرمينيا في علاقات تحالف تارة وحروب تارة أخرى[1]. وبحكم هذا التجاور الجغرافي بين العراق وأرمينيا، كان من الطبيعي أن يتواجد الأرمن في العراق منذ أقدم الأزمنة. فقد كتب المؤرخ الأرمني موفسيس الخوريني (القرن الخامس الميلادي)، استناداً إلى المصادر التي اطلع عليها، عن وجود الأرمن في العراق خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد. كما ذكر المؤرخ اليوناني (هيرودوتس) (القرن الخامس ق.م) عن علاقات أرمينيا والعراق القديمة، إن الأرمن كانوا ينقلون بالمراكب عبر نهر الفرات البضائع إلى بابل، حيث كانوا يبيعونها[2]. واستقر الكثير من هؤلاء التجار وغيرهم من الأرمن في بابل وكونوا جالية أرمنية كبيرة فيها. كما استقر كثير من الأرمن في العهود اللاحقة في مدن أخرى في العراق، لا سيما بعد أن خضعت أرمينيا للحكم العربي في عهد الخليفة عثمان بن عفان.
وتشير المصادر التاريخية إلى وجود أبرشية أرمنية في شمال العراق في أواخر القرن العاشر الميلادي[3]، وفي البصرة عام 1222م. وتشير هذه المصادر أيضا إلى وجود طائفة أرمنية في بغداد لها رئيس روحي عام 1354م. كما كتبت مخطوطة أرمنية في مدينة الموصل عام 1352م، وهذا يدل على وجود الأرمن في المدينة في تلك الفترة[4]، وفي القرن الرابع عشر الميلادي، كانت هنالك جاليات أرمنية في اربيل وكرمليس[5]، وحدثت هجرات للأرمن من إيران إلى العراق في القرن السابع عشر الميلادي خلال حكم الشاه عباس الصفوي. وبعد احتلال بغداد من قبل السلطان العثماني مراد الرابع في 25 كانون الأول-ديسمبر 1638م، أنشئت كنيسة القديسة مريم العذراء للأرمن الأرثوذكس عام 1640 في محلة الميدان ببغداد، وأستقر كثير من الأرمن ببغداد بعد إنشاء هذه الكنيسة[6]، وتعد من المزارات الدينية التي يؤمها أبناء الشعب العراقي بمختلف أديانهم وطوائفهم.
وفي القرن الثامن عشر، كانت هناك جالية أرمنية مزدهرة في البصرة، وكان الأرمن يسيطرون على حركة التجارة في المدينة (كذلك في بغداد كما سأذكر لاحقاً)، وقد شهد بكثرة عدد الأرمن في البصرة أحد السياح الأجانب المار بها عام 1765[7].
وعندما حل الطاعون الوبيل في بغداد، والمسمى الطاعون الكبير، عام 1831 لم يبقَ من الأرمن في المدينة سالماً سوى سبع وعشرين نسمة من مجموع مائة وثلاثين بيتاً أرمنياً. وكان المسيحيون يعدّون يومئذ نحو ألفي نسمة منهم سبعمائة نسمة من الأرمن، وقد أهلك الطاعون في مدة ثلاثة أشهر ثلثي أهالي بغداد[8].
وحدثت اكبر الهجرات الأرمنية إلى العراق بعد تعرض الأرمن في الدولة العثمانية إلى مجازر الإبادة عام 1915.
وفي عام 1947، هاجر 900 أرمني من العراق الى جمهورية أرمينيا السوفييتية[9].
الكنائس والمدارس الأرمنية
توجد الآن أربع كنائس أرمنية أرثوذكسية في بغداد، وكنيسة واحدة في كل من كركوك وزاخو والبصرة، وكنيسة واحدة في قرية (آفزروك) الأرمنية القريبة من زاخو، وكنيستان في الموصل، تعرضت إحداهما لعمل إرهابي عام 2004 وهي قيد الافتتاح وتكفلت الحكومة العراقية بإعادة أعماره. وتم في عام 2007 وضع حجر الأساس لكنيسة جديدة في مدينة دهوك، والتي يتم إنشاؤها بمساعدة المسؤولين في حكومة إقليم كردستان العراق، إلى جانب مدرسة وقاعة.
وأنشئت أول مدرسة أرمنية في بغداد عام 1852 باسم (تاركمانجاتس) وتعني (المترجمون)[10]. وفي عام 1917، دمجت هذه المدرسة مع (المدرسة الزابيلية) الأرمنية، وهي أول مدرسة للبنات في بغداد تأسست عام 1901 [11]، لتتكون منها أول مدرسة مختلطة في العراق[12]. وفي عام 1921، افتتحت مدرسة للأرمن في منطقة كمب الكيلاني ببغداد سميت لاحقاً (مدرسة سفاجيان). وقد دمجت مدرستا (تاركمانجاتس) و(سفاجيان) عام 1948 لتتكون منهما (مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية)[13]، وكانت تضم صفوفاً وطلبة من كلا الجنسين في المراحل الدراسية من الروضة وحتى الإعدادية، والتي استمرت حتى عام 1974، حينما جرى تأميم جميع المدارس الأهلية في العراق. وأعيد افتتاح (مدرسة الأرمن الابتدائية الأهلية المختلطة) في 15 تشرين الأول-أكتوبر 2004.

الجمعيات الثقافية والرياضية الأرمنية
في عام 1911، جرى تأسيس الجمعية الخيرية الأرمنية العمومية في العراق، وأعيد افتتاحها عام 1959، وتضم فرقة للغناء الشعبي الأرمني, وتأسست جمعية الشبيبة الأرمنية عام 1926، وتضم فرقة (كوميداس) الكورالي للغناء الشعبي الأرمني التي تأسست عام 1954 وذاع صيتها في الأوساط الثقافية والفنية. وتأسس النادي الرياضي الأرمني (الهومنتمن) عام 1949، والجمعية الثقافية لنساء الأرمن عام 1961، ونادي الشهيد (اوهان) الرياضي عام 2000. ولهذه الجمعيات والنوادي مطلق الحرية لإقامة الأمسيات الثقافية والاجتماعية، والمهرجانات الرياضية، وحقق بعضها انجازات مهمة.
وهناك ناديان رياضيان أرمنيان في كركوك والموصل، ولكن الأخير لا يعمل الآن بسبب الظروف الأمنية. وتوجد في البصرة جمعية ثقافية، وأخرى خيرية أرمنية، وهما لا يعملان حالياً بسبب الظروف الأمنية.
الصحف والمطابع الأرمنية
صدرت في بغداد عدة صحف أرمنية، ففي عام 1890 صدرت صحيفة مدرسية مطبوعة باسم بونج (الباقة) استمرت سنتين[14]. وصدرت صحيفة ديكريس (دجلة) عام 1924 التي توقفت بعد بضعة إصدارات[15]. كما صدرت صحيفة كويامارد (صراع الوجود) الأسبوعية من 1948-1954، ومن 1957-1958. وكانت مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية تصدر صحيفة كايدز (الشرارة) المدرسية والكتاب السنوي باسم (ماشدوتس). وأود هنا أن أتوقف قليلا عند كتاب (ماشدوتس) السنوي، فقد وثق هذا الكتاب منذ ستينيات القرن الماضي وحتى تأميم المدارس الأهلية في العراق عام 1974، الحياة المدرسية بجميع نشاطاتها وفعالياتها وحياة الطائفة الأرمنية في العراق. ونشر هذا الكتاب أيضاً كتابات طلبة المدرسة التي كانت تجسد المحاولات الأولى لهم في مجال الكتابة. وقد رفد هذا الجيل الطائفة لسنوات طوال وحتى الآن، بالمثقفين الذين نظموا حياتها الثقافية والاجتماعية، وقد أعيد إصدار هذا الكتاب الآن بعد إعادة افتتاح مدرسة الأرمن الابتدائية الأهلية. ولا توجد صحف أرمنية في العراق حالياً، بل هنالك نشرة تصدرها مطرانية الأرمن الأرثوذكس في العراق باسم كانتيغ (القنديل)، إلى جانب نشرات تصدرها الجمعيات والنوادي الرياضية.
وافتتحت أول مطبعة أرمنية في بغداد عام 1874، والتي كانت تطبع كتب المناهج المدرسية وصحيفة بونج بعد صدورها عام 1890 [16].

الشخصيات التاريخية
يفتخر الأرمن العراقيون بشخصيات أرمنية بارزة خدمت العراق العزيز وبانجازات حققوها في الماضي ويستمرون في تحقيقها في الحاضر. وقد ورد في تاريخ العراق اسم ملكين اتفقت المصادر التاريخية على أصلهما الأرمني. أولهما هو الملك اراخا بن خلديتا (نبوخذ نصر الرابع) الذي قاد ثورة بابل عام 521 ق.م ضد الملك الاخميني دارا (داريوس) الأول، كما وردت على صخرة بيهستون في إيران[17]. أما الثاني، فهو بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل، وفي ما بعد ملكها عام 1233 م[18]. وعرف من القادة العرب في التاريخ العربي الإسلامي علي بن يحيى الأرمني، وهو من مواليد أرمينيا واحد الأبطال المعروفين في مسيرة التاريخ العربي[19]. وكان هناك أمراء من الأرمن، فقد جاء في كتاب أخبار الدولة السلجوقية لصدر الدين أبي الحسن علي أن الخليفة المقتفي لأمر الله كان له مماليك بعضهم روم وبعضهم أرمن فجعلهم أمراء وفوّض إلى كل منهم جانباً من جوانب العراق[20]. وكان الرسام الواسطي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي أرمني الأصل كما جاء في كتاب تاريخ الشعب الأرمني للمستشار فؤاد حسن حافظ[21]. ومن الشخصيات الأرمنية البارزة أيضا يعقوب اميرجان، وكان بغدادي المولد، والذي تولى عند حصار بغداد من قبل طهماسب قولي خان، قيادة الرجال من مسيحيي البصرة وبغداد للمحافظة على المدينة والقتال دفاعاً عنها، إذا اقتضى الأمر، مع إخوانهم مسلمي المدينة، وكان يعقوب اميرجان موظفاً أيضاً لدى قنصل البصرة الهولندي، وقد أوفده إلى سليمان باشا والي بغداد الشهير ليقدم له شيئاً من الهدايا الثمينة[22]. وكان شخص أرمني في بغداد، وأسمه بيدروس كوركجي باشي رئيساً للفرائين للوالي وكبار الولاية في منتصف القرن الثامن عشر[23]. كما كان يوسف كيفورك صراف باشي الأرمني من كركوك رئيساً للصيارفة لدى الحكومة العثمانية[24]، وكان ستراك بوغوصيان المفتش العام للبنك العثماني. أما التاجر الأرمني المعروف نعوم سركيس فكان أول من سكن الشطرة وشجع الناس للسكن فيها.

الأطباء الأرمن
في مجال الطب، كان أول من ادخل تلقيح الجدري إلى بغداد اوهانيس مراديان الذي قدم إلى بغداد عام 1786[25]. وكان أول طالب عراقي يوفد إلى الخارج للدراسة على نفقة الدولة عام 1921 أرمنياً، واسمه ارستاكيس، وقد أوفد إلى مدرسة البنغال البيطرية في الهند لدراسة الطب البيطري[26]. وكانت أول طبيبة عراقية عينتها وزارة الصحة، أرمنية، هي الدكتورة آنة ستيان[27]، وأول فتاة عراقية دخلت مدرسة الطب في بغداد وتخرجت فيها سنة 1939 كانت الطبيبة ملك ابنة السيد رزوق غنام النائب عن مسيحيي بغداد في مجلس الأمة وصاحب جريدة العراق، ويعتبر شيخ الصحافة العراقية[28]. ومن الأطباء المعروفين الدكتور كريكور استارجيان، وله مؤلفات بالعربية عن التاريخ والثقافة الأرمنية. والدكتور هاكوب جوبانيان، وهو من مؤسسي كلية الطب في العراق وحاصل على وسام ملكي عراقي (وسام الرافدين من الدرجة الثانية عام 1954) تقديراً لخدماته في مجال الطب[29] والدكتور كارنيك هوفهانيسيان والدكتور محروس سيروب دير اوهانيسيان وغيرهم.

الشخصيات العامة الأرمنية
يقول الرحالة الانكليزي جاكسون الذي وصل إلى بغداد يوم 14 تموز-يوليو عام 1797: " قليل جداً هو عدد الأوروبيين الذي يزاولون الأعمال التجارية في بغداد أو يحتفظون لهم بقناصل فيها. فالانكليز مثلاً ليس لديهم قنصل في بغداد ولكن أعمالهم تدار من قبل أحد الأرمن المدعو (خوجة مايكل) وهو رجل محترم.. ولقد كنت أحمل رسائل معي إلى أرمني آخر يدعى خوجة سطيفان بابك وهو من الأثرياء الكبار ويتكلم الإنجليزية بطلاقة وأنا أعتقد أنه المقيم الوحيد في المدينة الذي يلم باللغة الإنجليزية"[30].
ومن الشخصيات الأرمنية العامة فوسكان مارديكيان (اوسكان أفندي) الذي كان وزيراً للبريد والبرق في الدولة العثمانية، وبناء على دعوة وجهت له من قبل الحكومة العراقية في عشرينيات القرن الماضي أصبح خبيراً مالياً في وزارة المالية العراقية وطوًر النظام المالي في العراق وترجمها من التركية إلى العربية. وبرز اسم سيروب اسكندريان مديراً للإدارة النهرية في بغداد عام 1910، وسرابيون سيفيان الذي شغل المنصب نفسه قبل الحرب العالمية الأولى، وشغل في عام 1921 منصب السكرتير لوزير المالية[31]، ومركوريان مدير شعبة المصرف العثماني الذي عين عام 1910 رئيساً لأول غرفة تجارة صحيحة في بغداد والتي صارت مرجعاً للأمور التجارية[32]، وعمل ديكران ايكمكجيان سكرتيراً لمجلس إدارة السكك الحديدية العراقية لسنوات طويلة، وكاسبار بوغوصيان رئيساً لأمناء صندوق السكك، وابكار هوفهانيسيان مديراً عاماً للمواصلات الذي منح أيضاً وسام الرافدين من الدرجة الثالثة. أما فاهي سيفيان، فكان مسؤولاً مالياً في بغداد أثناء حكم الدولة العثمانية، وعيًن في خمسينيات القرن الماضي مفتشاً للري العام، وقد أسهمت جهوده والإجراءات الطارئة التي اتخذها في إنقاذ مدينة بغداد وضواحيها من أسوأ فيضان تعرضت له بغداد في العام 1954 [33]. كما وجد اثنان من المدراء العامين في الموانئ والسكك الحديدية في البصرة، هما كريكور كولويان وازكاناز فارتانيان[34]. وفي مجال السياسة والدبلوماسية عرف اسكندر ستيبان ماركاريان الذي انتخب عام 1947 في البرلمان العراقي ممثلاً لجميع المسيحيين في بغداد[35]، وقنصلا بلجيكا الفخريين في العراق ديرفيشيان وسيمون غريبيان، وقنصل النرويج الفخري في العراق آرام سيمرجيان. وفي أرمينيا بعد الاستقلال في عام 1991، تقلد اشخان مارديروسيان منصب وكيل الوزارة في وزارة الزراعة ثم الخارجية.

المصورون والفنانون الأرمن
أما في مجال التصوير فقد عرف المصور السينمائي خاجيك ميساك كيفوركيان، وهو من أوائل الرواد في مجال التصوير السينمائي ومن الرواد القلائل في تقنية التصوير في العراق والوطن العربي[36]. والمصور الصحفي الرائد امري سليم لوسينيان شيخ المصورين الصحفيين العراقيين[37] الذي صور ملوك وزعماء العراق وارشف جزءاً كبيراً من تاريخ العراق، والمصورين الفوتوغرافيين المعروفين ارشاك (صاحب ستوديو ارشاك) وجان (صاحب ستوديو بابل) ومصور الآثار كوفاديس ماركاريان وغيرهم.
وفي مجال الفنون، برز الفنان الرائد بهجة عبوش الذي أنجز صورة عماد يسوع المسيح في سقف كنيسة الأرمن الأرثوذكس في بغداد، وأقيم معرض شامل لأعماله في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد[38]، والفنان التشكيلي ارداش كاكافيان الذي كتبت موسوعة (لاروس) الفرنسية عنه وعن الفنان التشكيلي العراقي جواد سليم، وساران فارتان الكسندريان الذي شارك في نشاطات الحركة السريالية بباريس منذ عام 1947 وله العديد من المؤلفات النثرية والدراسات، والرسام التشكيلي يرجان بوغوصيان وهو من رواد السرياليين العراقيين[39]، والفنان التشكيلي انترانيك اوهانيسيان، وممثلة المسرح القديرة ازادوهي صموئيل لاجينيان، والمخرج والممثل القدير كارلو هارتيون، والمخرج السينمائي العالمي اشخان افيديس (حكمت لبيب)، وهو من مدينة بعقوبة[40]، والفنانة والمخرجة سيتا هاكوبيان. وفي مجال الكتابة والإخراج المسرحي، نال هرانت ماركاريان في عام 1994 بطاقة العضوية في اتحاد الكتاب في أرمينيا، تقديراً لجهوده ونشاطاته في هذا المجال، وقدم حتى تكريمه 17 عملاً مسرحيا[41]ً، وفي الموسيقى برز كريكور برصوميان وآرام بابوخيان وبابكين جورج وآرام تاجريان ونوبار بشتيكيان، وعازفة البيانو الشهيرة بياتريس اوهانيسيان. وفي مجال المقام العراقي يبرز اسم الأب نرسيس صائغيان البغدادي (1878-1953) الذي امتاز بوفرة معلوماته عن المقام وجميع قراء المقام العراقيين يرجعون إليه لمعرفة أدق المعلومات عن المقام العراقي. وللأب صائغيان أيضا مؤلفاته في التاريخ واللغة ودراسة أصول ونسب العائلات المسيحية البغدادية[42] التي نشر بعضها في كتيبات أو في مجلات (لغة العرب) و (نشرة الأحد) و (النور)[43]. وكان سيساك زاربهانيليان موسيقاراً واحد فلاسفة الموسيقى الشرقية وعازفاً بارعاً في العود والكمان وألف قطعاً موسيقية، مستخدماً فيها مقامات صعبة لم يجرؤ موسيقار غيره على التقرب منها[44].
الأدب والكتابة والتربية
في مجال الأدب برز الكاتب والباحث يعقوب سركيس الذي ألف (مباحث عراقية)[45]، والكاتب يوسف عبد المسيح ثروت، والكاتب ليفون كارمين (استيبانيان)، والكاتب ليفون شاهويان، والمفكر والكاتب بابكين بابازيان وعبد المسيح وزير الذي جاء إلى العراق مع الملك فيصل الأول وكان من رجال الفكر والمعرفة ووضع القاموس العسكري ومؤلفات أخرى[46]. وفي مجال الكتابة الصحافية يبرز اسم جيراير غاريبيان الذي ألف عدداً من الكتب وأجرى العشرات من المقابلات مع الشخصيات الأرمنية المعروفة على الصعيدين السياسي والأدبي[47]. أما في مجال التربية، فبرز الأستاذ والمربي الفاضل مهران أفندي سفاجيان الذي كان يحاضر في اللغة الفرنسية عام 1908 في مدرسة الجعفرية (ابرز مدارس بغداد آنذاك) واعترف بفضله وخدماته الجليلة تلامذته ومنهم سعيد صادق البصام الذي أصبح في العهد الملكي وزيراً للتربية والعدالة وغيرهم[48].
وأول مدرسة للبنات افتتحت، وكما أسلفت سابقاً، من قبل الطائفة الأرمنية في العراق عام 1901، وكذلك أول روضة منفصلة عن الابتدائية سنة 1913[49]. وأول طالب عراقي حصل على مجموع 599 من 600 في الامتحانات العامة للدراسة الإعدادية (الصف السادس العلمي) كان الأرمني زافين بانوسيان، وذلك في العام الدراسي 1982-1983.

مجالات أخرى
وفي مجال الهندسة، كان المهندس المعماري مارديروس كافوكجيان من المهندسين المعماريين البارزين في الموصل من 1941-1946، وقد وضع المخططات الهندسية لضواحي الموصل واربيل والعمادية[50]. كما أن له مؤلفات بالأرمنية عن أصل الأرمن. وكذلك المعماري الأرمني المعروف خاجاك ماراشليان. وبرز اسم الضابط سيروب تافيت في المجال العسكري، وتوباليان في مجال الطيران المدني[51].
أما في مجال التجارة، فقد أخذ التجار الأرمن يتواردون من اسطنبول الى العراق منذ بدء الربع الأخير من القرن الثامن عشر. وقال جان باتست روتسو قنصل فرنسا في بغداد في كتابه المعنون: (Description du pachalig de Bagdad)، ص ص 11-12، ما يأتي:
"إن نصارى بغداد سواء كانوا كاثوليكاً أو غير كاثوليك يعيشون عيشة عديمة الرّفاه وهم يتعاطون البيع والشراء الداخلي ويزاولون مهنة الطباعة على الأقمشة (البصم) وغيرها من المهن اليدوية. وأما العدد اليسير من التجار ذوي اليسار فيهم فمعظمهم أرمن من استانبول قد اغتنوا بمعاطاة التجارة بالأحجار الكريمة والشال مع إيران والهند". ولا غرو في ذلك، لأن الأرمن على ما قاله السائح الفرنسي المدعو بيتون دي تورنيفور: ليسوا أسياد تجارة الشرق فحسب، بل لهم شطر وافر في تجارة أعظم مدن أوروبا[52].
ويتحدث الرحالة الانكليزي جاكسون عن أن الأرمن هم الذين يتحكمون في الاقتصاد والتجارة في بغداد، وأن النحاس الذي كان يبعث من قبل التجار الأرمن من الموصل الى بغداد والبصرة كان من النوع نفسه الذي يجري صنعه في انكلترا. ويتحدث عن مشاهداته في المدينة بالقول:
" وتوجد فيها سوق واسعة مزودة بمختلف أنواع المواد ... والأرمن هنا يؤلفون التجار الرئيسيين والمعامل المستعملة في بغداد قليلة وهي محدودة .. ويبعث الأرمن الموجودون في الموصل عن طريق دجلة بكميات كبيرة من النحاس تنقل في أرماث من الأخشاب التي تشد إلى بعضها بعضاً ومتى وصل الرمث إلى بغداد بيعت أخشابه فيها لأنها جد نادرة هناك .ومن ثم يشحن النحاس إلى البصرة في سفن شراعية ..ويكون النحاس ...من نفس النوع الذي يجري صنعه في انجلترا. إن هذه التجارة التي لم يكن أحد قبلاً يمارسها قد ازدادت بسرعة فغدت تجري بنطاق واسع ...وأنا مقتنع أن هذه السلعة ستثير بمرور الوقت سخط أصحاب المعامل الانجليزية. فالعمل في هذه البلدان أقل نفقة بكثير مما هو عليه في أوروبا، وهذا مما يساعد الصناع على نقل مصنوعاتهم إلى السوق بسعر أرخص ويهيئ ربحاً أوفر للمشتغلين فيها"[53].
وكان الأرمن، مع اليهود، يشكلون غالبية موظفي الشركة الانكليزية التي تحولت إليها ملكية شركة بغداد للقوة الكهربائية بعد الاحتلال البريطاني للعراق في عام 1917[54].
الشخصيات النسائية العامة
ومن الشخصيات النسائية الأرمنية العامة سارة اسكندريان التي عرفت من قبل أهل بغداد باسم (سارة خاتون) أو (سارة الزنكينة)، وسمي حي كمب سارة في بغداد باسمها[55]، وريجينة خاتون التي أوقفت عدداً من الأراضي للطائفة شيدت على إحداها دار للمسنين، وهي المؤسسة الأهلية الأولى التابعة للطائفة، وشيدت على الثانية مدرسة ثانوية كانت قد استملكت قسراً من قبل النظام السابق عام 1974.

الرياضيون الأرمن
وفي الرياضة حصل جيراير كايايان على أول بطولة لكمال الأجسام في العراق عام 1949[56]، ومثل جورج تاجريان العراق في (3) بطولات اولمبية في رياضة الدراجات وحصل على بطولات عالمية في سباق الدراجات للمسافات الطويلة. كذلك برز اسم بطل المصارعة كريكور عجميان، والحكم الدولي في بناء الأجسام كاريكين سيمونيان، والحكم الدولي اوهانيس يسايان في المصارعة وكمال الأجسام، ولاعب كرة القدم آرا همبرتسوم اوهانيان.

إسهامات الأرمن في الصناعات المختلفة
كما أدخل الأرمن إلى بغداد صناعة الكاشي الموزاييك والحواشي المزخرفة والصناعات الموسيقية والمأكولات وصناعة العجلات (الربلات)[57] والتصوير الفوتوغرافي. كما يمتهن الأرمن الصناعات الدقيقة والصياغة وميكانيكية السيارات.
شخصية أرمنية متميزة
وأود هنا أن أتوقف قليلاً عند شخصية الثري ورجل الأعمال والإحسان الأرمني (كالوست كولبنكيان) وما قدمه للعراق من خدمات كبيرة. فقد كان كولبنكيان يحتفظ بنسبة 5 بالمائة من مجموع أسهم شركات النفط التي طورها. ومن هنا جاءت كنيته الشهيرة "سيد الـ 5 بالمائة" (Mr. Five Percent) وكانت له حصة 5 بالمائة من أسهم شركة النفط العراقية (IPC). وقد أنشأت مؤسسة كولبنكيان، التي تهتم بشكل أساس بالمشاريع الثقافية والفنية في العالم، ملعب الشعب الدولي وقاعة الشعب في بغداد[58]، كما منحت الزمالات الدراسية للطلبة في العراق ودول العالم كافة، بغض النظر عن ديانتهم أو قوميتهم أو طائفتهم. وقد استفاد عدد كبير من الطلبة العراقيين من هذه الزمالات، ومنهم من وصل إلى مناصب رفيعة في الدولة. كما ساهمت مؤسسة كولبنكيان في بناء القسم الجديد لمدرسة الأرمن المتحدة الأهلية في بغداد والمستوصف الملحق بها عام 1962، وأنشأت مدرسة في زاخو عام 1969 وملعباً في كركوك. كما ساهمت المؤسسة في بناء كنيسة الأرمن الأرثوذكس في ساحة الطيران ببغداد من 1954 – 1957، ومدرسة ثانوية للأرمن في حي الرياض ببغداد[59]، إلى جانب إهداء أعداد كبيرة من الكتب والمناهج الدراسية للجامعات والكليات والمعاهد ودور العلم العراقية.
أوضاع الأرمن بعد احتلال العراق في نيسان-أبريل 2003
الأرمن، كمكون أساس للشعب العراقي، أصابهم ما أصاب عموم الشعب الأرمني. وكان عدد الأرمن في العراق ما قبل الحرب في عام 2003 يبلغ نحو 18 ألف نسمة. وبعد الحرب، وإثر تردي الأوضاع الأمنية في البلاد هاجر نحو أرمني إلى خارج العراق، منهم نحو 1000 شخص لجأ إلى جمهورية أرمينيا. ولكننا نؤمن بأن هؤلاء سيعودون إلى العراق، حينما يعم الأمن والاستقرار في البلد. فالأرمني العراقي، كسائر أخوانه من العراقيين مرتبط بكل كيانه ووجدانه بهذه الأرض المعطاء، أرض دجلة والفرات والحضارات الإنسانية الخالدة، الأرض التي استقبلته وحضنته في أيام محنته بعد مجازر الإبادة عام 1915، وهو فضل لن ينساه للشعب العراقي أبد الدهر.
وخلال السنوات الأربع الماضية، وحتى 1 آذار-مارس 2007، قتل من الأرمن العراقيين 28 شخصاً، وجرى اختطاف 28 شخصاً آخرين أطلق سراح 25 منهم بعد دفع الفدية للخاطفين، وتوفي آخر سلمت جثته لذويه، في حين يبقى مصير الشخصين الآخرين مجهولاً حتى الآن[60].
ونزح بعض الأرمن إلى شمالي العراق بسبب استمرار التدهور في الأوضاع الأمنية في وسط وجنوبي العراق. وخلال السنتين الماضيتين، انتقلت 57 عائلة أرمنية من بغداد والموصل للعيش في مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق، ويؤلفون اليوم مع 13 عائلة أرمنية كانت تسكن في أربيل سابقاً 250 شخصاً.
وتقطن 22 عائلة أرمنية أيضاً مدينة دهوك و12 عائلة أخرى قضاء سميل، انتقل للعيش هنا، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في العراق، نحو 15 عائلة أرمنية.وتقع قرية (هاوريسك) الأرمنية قرب زاخو في أقصى قضاء سميل التابع لمحافظة دهوك المتاخمة للحدود التركية. والى جانب الأرمن يسكن القرية قلة من الأكراد المسلمين، إضافة إلى الآشوريين. وقد أنشأت هذه القرية عام 1927 وتبلغ مساحتها 64 دونماً وتم إفراغها في عهد النظام السابق[61]. ومؤخراً، تم إنشاء المساكن لعشرين عائلة أرمنية بدعم من المسؤولين في حكومة إقليم كردستان. وكانت هذه العائلات قد انتقلت للعيش في القرية وأعمارها بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في الأجزاء الأخرى من العراق. وتم تسجيل الأسماء لـ (60-70) عائلة أرمنية أبدت استعدادها للاستقرار في القرية.
ويعد الدعم المقدم إلى الكنائس والمدرسة الأرمنية الوحيدة في العراق محدود جداً، ولكن بفضل الجهود التي بذلها رئيس الطائفة نيافة المطران آفاك آسادوريان، وبعد مقابلة الدكتور جلال الطالباني رئيس الجمهورية والدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء، بمعية الأستاذ يونادم كنا الأمين العام للحركة الديمقراطية الأشورية، تمت الموافقة على تولي الدولة إعمار كنيسة الأرمن الأرثوذكس في الموصل التي تعرضت لعمل تخريبي عام 2004 وهي على وشك الافتتاح[62].
وتملك الطائفة حالياً مدرسة واحدة في بغداد هي مدرسة الأرمن الابتدائية الأهلية المختلطة التي أعيد افتتاحها، وكما أسلفنا، في 15 تشرين الأول-أكتوبر 2004، وهي أول مدرسة ابتدائية مختلطة يتم افتتاحها في العراق بعد الاحتلال الأميركي-البريطاني له في نيسان-أبريل 2003. وقد كانت الطائفة الأرمنية سباقة في الاستفادة من الموافقة على إعادة افتتاح المدارس الأهلية في العراق. وتعتمد هذه المدرسة، بشكل أساس، على الجهود الذاتية، وقد استلم نيافة المطران رئيس الطائفة إدارتها للسنة الدراسية الأولى لإعطائها دفعاً في مسيرتها، وكانت تضم 161 تلميذاً وتلميذة. وتمتلك المدرسة الآن إدارة وملاك خاص بها يتكون من مدير ومعاونين، إلى جانب 14 معلمة ومعلم واحد. ويتلقى التلاميذ، الذين وصل عددهم الآن إلى 172 تلميذاً وتلميذة، الدروس المقررة من قبل وزارة التربية، ودروساً في اللغة الأرمنية والدين المسيحي والموسيقى. وتضم المدرسة مختبراً للحاسوب، فيه 31 جهاز حاسوب مع جميع مكوناته[63].
ويسهم الأرمن في المهجر، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، في دعم العائلات الأرمنية المتعففة في العراق بالتبرعات. كما تسهم لجنة مؤلفة من الطلبة السابقين لمدرسة الأرمن بدعم المدرسة سنوياً من خلال التبرعات والنشاطات التي تقوم بها. وتوجد أيضاً مدرسة ابتدائية أرمنية في مدينة زاخو.
وفي تشرين الأول-أكتوبر 2006، حصلت الطائفة الأرمنية في العراق على موافقة وزارة التربية لافتتاح متوسطة جديدة باسم (متوسطة الأرمن المختلطة الأهلية) لتكون بدورها أول متوسطة مختلطة في العراق يتم افتتاحها بعد نيسان-أبريل 2003.

أوضاع المسيحيين في العراق بشكل عام
كان المسيحيون في العراق يشكلون نسبة 3 بالمائة من السكان أي نحو 850 ألف شخص قبل الغزو الأميركي-البريطاني للعراق عام 2003، لكن العديد منهم هاجر الى الخارج، وتقدر أعداد الباقين بنحو 600 ألف نسمة. ويملك المسيحيون وزيرين في الحكومة المركزية ونائبين في البرلمان وثلاثة وزراء في حكومة إقليم كردستان وأربعة نواب في المجلس الوطني لكردستان العراق. وقد نزحت أكثر من ثلاثة آلاف عائلة مسيحية الى إقليم كردستان العراق، كما نزحت أكثر من أربعة آلاف عائلة أخرى الى سهل نينوى هرباً من سوء الأوضاع الأمنية في مناطق وسط العراق. ويمتد سهل نينوى بين الطريق الرئيس الذي يربط الموصل بدهوك حتى قضاء الحمدانية حيث يعيش 200 ألف نسمة يمثلون خليطاً من القوميات العرقية الكردية والايزيدية والشبك والسريان والكلدان والآشوريين، ويضم ثلاثة أقضية ونواحي عدة[64].


[1] آ. ك.ابراهاميان، وصف موجز لتاريخ الجاليات الأرمنية، ج2، يريفان، 1967، ص 35 (باللغة الأرمنية).
[2] المصدر السابق، ص 35؛ آرشاك آل بوياجيان، الأرمن العراقيون، هيئه للنشر وحرره فارتان كريكوريان، معهد ماشدوتس للمخطوطات القديمة –الماديناتاران، يريفان، أرمينيا، 2003، ص 16 (باللغة الأرمنية).
[3] آ. ك.ابراهاميان، المصدر السابق، ص 39.
[4] المصدر السابق، ص 40.
[5] المصدر السابق، ص 41.
[6] المصدر السابق، ص43.
[7] دبر نرسيس صائغيان البغدادي، تاريخ الأرمن الكاثوليك في العراق، صدر بمناسبة مرور مئة عام على تدشين كنيسة الأرمن الكاثوليك في بغداد 1844-1944، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1944، ص 47.
[8] المصدر السابق، ص 25 (حاشية).
[9] Vartan Melkonian, An Historical Glimpse of the Armenians in Iraq, Basra, 1957, p. 14.
[10] كارو كيفوركيان، الجالية الأرمنية في العراق (منذ نشوئها وحتى الآن)، الكتاب السنوي للجميع، السنة الرابعة، 1957، بيروت، لبنان، ص 406 (باللغة الأرمنية).
[11] آ. ك.ابراهاميان، المصدر السابق، ص 52؛ كارو كيفوركيان، المصدر السابق، ص ص 410-411.
[12] كارو كيفوركيان، المصدر السابق، ص 411.
[13] المصدر السابق، ص 414.
[14] المصدر السابق، ص 412.
[15] Vartan Melkonian, Op. Cit., p. 10.
[16] آ. ك.ابراهاميان، المصدر السابق، ص 52.
[17] الدكتور طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة-الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين-، الجزء الأول، الطبعة الثانية، بغداد، 1986، ص 577.
[18] دبر نرسيس صائغيان البغدادي، المصدر السابق، ص 2.
يخبر ابن العماد الحنبلي في كتابه المعنون (بشذرات الذهب في أخبار من ذهب) بوفاة صاحب الموصل بالصورة التالية: "سنة 657 هـ. (1258 م) توفي صاحب الموصل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الأرمني الأتابكي مملوك نور الدين ارسلان شاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل ..". راجع: دبر نرسيس صائغيان البغدادي، المصدر السابق، ص 2.
[19] أديب السيد، أرمينية في التاريخ العربي، الطبعة الأولى، 1972، ص ص 142-143.
[20] دبر نرسيس صائغيان البغدادي، المصدر السابق، ص 1 (تمهيد).
[21] رازميك سيمونيان، الأرمن في بلاد العرب، عمان، الأردن، 2004، ص 82.
[22] المصدر السابق، ص 46.
[23] المصدر السابق، ص 12.
[24] المصدر السابق، ص 49.
[25] المصدر السابق، ص 16.
[26] مجلة ألف باء، بغداد، 22/1/1986.
[27] صحيفة الجمهورية، بغداد، 4/3/1992، ص 3.
[28] دبر نرسيس صائغيان البغدادي، المصدر السابق، ص 43.
[29] مجلة كانتيغ، مجلة دورية تصدر عن مطرانية الأرمن الأرثوذكس في العراق، السنة السادسة، العدد 19، 2005، ص 39.
[30] http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=192580&version=1&template_id=29&parent_id=28
[31] Vartan Melkonian, Op. Cit, p.13.
[32] د. أحمد السبتي، كمب سارة خاتون وسدة ناظم باشا، مجلة الاختيار، بغداد، العدد 23، ص ص 15-16.
[33] لقد استقيت أسماء معظم الشخصيات الواردة في هذه الفقرة من الأوراق المكتوبة بخط اليد للفنان الرائد الموسيقار آرام بابوخيان. وقد كتب، بناء على التماسي له، أسماء أهم الشخصيات الأرمنية العراقية التي عاصرها أو قابل أناس تحدثوا عنها له (تحمل الأوراق المكتوبة التاريخين 29/12/1989 و 3/1/1990.
[34] رازميك سيمونيان، المصدر السابق، ص 83.
[35] آرشاك آل بوياجيان، المصدر السابق، ص 42.
[36] صحيفة الجمهورية، بغداد، العدد 8669، 13/2/1994، الصفحة الأخيرة.
[37] صحيفة الجمهورية، بغداد، العدد 9776، 23/5/1998.
[38] صحيفة الثورة، بغداد، العدد 8335، 4/11/1993، الصفحة الأخيرة؛ مجلة ألف باء، بغداد، العدد 1616، 15/9/1999، ص 25.
[39] رازميك سيمونيان، المصدر السابق، ص 83.
[40] صحيفة الجمهورية، بغداد، العدد 7966، 25/8/1991.
[41] صحيفة (آزاد اور)، أثينا، العدد 14973، 21/4/1994، ص 2.
[42] د. سالم الآلوسي، في محاضرة ألقاها في جمعية الشبيبة الأرمنية في بغداد، 1994.
وفي ندوة الثقافات العراقية- المشتركات والخصوصيات (راجع مقالتي في هذا الموقع تحت عنوان: الأرمن والعرب إطلالة تاريخية وثقافية) قالت لي الباحثة العراقية آمال إبراهيم التي قدمت للندوة بحثها المعنون: المقام العراقي المنجم الموسيقي للثقافات العراقية، إن الشيخ العلامة جلال الحنفي ذكر لها أنه كان قد اطلع على مخطوطة نادرة كتبها دير نرسيس صائغيان عن المقام العراقي وهي تحاول إيجادها. وأبدت الباحثة إعجابها باهتمام الباحث الأرمني بالمقام العراقي في وقت كان يسود فيه الجهل والأمية شرائح واسعة من المجتمع العراقي آنذاك.
[43] أعلام في كنيسة العراق، مجلة الفكر المسيحي، نوفمبر-ديسمبر 1994، العدد 299-300، الموصل، العراق، الصفحة الأخيرة.
[44] راجع الهامش 28.
[45] يعطي يعقوب سركيس نبذة عن ألكمرك في بغداد (خلال القرن السابع عشر)، فيذكر أن موظفيه كانوا من الأرمن. انظر مقالته: كمرك بغداد في عهد السلطان مراد الرابع وخلفه السلطان إبراهيم في مباحث عراقية، الجزء الثاني، ص ص 231-242. راجع: الأب د. بطرس حداد (ترجمها عن الايطالية وعلّق عليها)، رحلات سبستياني الى العراق في القرن السابع عشر، ، بغداد، 2004، ص 31 (حاشية).
[46] راجع الهامش 34.
[47] رازميك سيمونيان، المصدر السابق، ص 84.
[48] Vartan Melkonian, Op. Cit, p. 7.
[49] نجم الدين علي مردان، رياض الأطفال في الجمهورية العراقية- تطورها ومشكلاتها وأسسها التربوية والنفسية، أطروحة ماجستير في التربية وعلم النفس مقدم لجامعة بغداد، 26/9/1970.
[50] الموسوعة السوفييتية الأرمنية، المجلد الثاني، 1976، يريفان، (كافوكجيان مارديروس).
[51] راجع الهامش 34.
[52] دبر نرسيس صائغيان البغدادي، المصدر السابق، ص ص 16-17.
[53] http://www.raya.com/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=190495&version=1&template_id=29&parent_id=28

[54] ستيفن همسلي لونگريك، العراق الحديث- من سنة 1900 الى سنة 1950- تاريخ سياسي-اجتماعي واقتصادي، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، الطبعة الأولى، بغداد، 1988، ص 331 (حاشية المترجم).
[55] راجع مقالتي تحت عنوان: "سارة خاتون .. غيرة العراق التي واجهت الطغيان العثماني.
http://ara-ashjian.blogspot.com/2006/12/blog-post_10.html


[56] كتاب جمعية الشبيبة الأرمنية في بغداد، صادر لمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسها، 1976، ص 108.
[57] راجع الهامش 34.
[58] ماجد الأعظمي، كولبنكيان وليس كوبلكيان، صحيفة الصباح، بغداد، العدد 531، 23/4/2005.
[59] أرشيف مطرانية الأرمن الأرثوذكس، بغداد.
[60] http://www.panarmenian.net/news/eng/?nid=21581
[61] أبناء "هاوريسك" يعودون لقريتهم مجدداً ليعيشوا حياة الطمأنينة والاستقرار، صحيفة الصباح، بغداد، 3/2/2007.
http://www.alsabaah.com/20070203/pdf/p9.pdf
[62] صحيفة الصباح، بغداد، العدد 759، 4/2/2006، ص 8. وكذلك راجع في هذا الموقع الخبر باللغة الانكليزية
http://ara-ashjian.blogspot.com/2006/ 02/iraqi-armenians-struggle-to_10.html
[63] صحيفة التآخي، بغداد، العدد 4539، 1/8/2005، ص 6.
[64] مسيحيو العراق بين حكم ذاتي وإدارة محلية في الشمال، صحيفة الزمان، بغداد، العدد 2593، 14/1/2007، ص 4.ً

Sunday, December 10, 2006

سارة خاتون .. غيرة العراق التي واجهت الطغيان العثماني

عرضت قناة (الشرقية) الفضائية العراقية خلال شهر رمضان الفائت -2006- والأيام التي تلته المسلسل العراقي الدرامي (سارة خاتون) الذي يجسد حياة الفتاة الأرمنية سارة اسكندريان أو (سارة خاتون) في حقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث بمشاركة نخبة كبيرة من نجوم الفن العراقي والفنانين العرب.
ويجسد المسلسل الذي صور في سوريا وأنتجته بميزانية كبيرة قناة (الشرقية)، وهي القناة التي تحظى بأكبر نسبة مشاهدة من قبل المشاهدين العراقيين من بين القنوات الأرضية والفضائية العراقية، وأخرجه الفنان صلاح كرم وكتب السيناريو والحوار له حامد المالكي وتابعه المشاهدون العراقيون بشغف، يجسد قصة واقعية من حياة سارة اوهانيس اسكندريان التي اشتهرت في بغداد وغيرها من المدن العراقية باسم (سارة خاتون) و (سارة الزنگينة)، وتعني الثرية.
وتناول المسلسل مدة العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين من تاريخ العراق الحديث، وهي مرحلة شهدت انحسار الحكم العثماني في العراق، ونشوب الحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني للعراق، واندلاع ثورة العشرين، ونشوء الحكم الملكي في العراق، وانتحار رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون. وكان لشخصية سارة خاتون حضورها الواقعي، وقد تسللت الى الوجدان الشعبي ودخلت قصتها التراث العراقي وأصبحت جزءاً منه، ولا سيما أن ذلك الحضور تزامن مع الأحداث الكبيرة المشار إليها آنفاً.
وسارة هي فتاة بغدادية كريمة المحتد والأصل، وهي ابنة اوهانيس (هوفهانيس) ماركوس اسكندريان (1834-1899) أحد وجوه الأرمن ببغداد، وقد أوتيت من جمال الوجه ما لم تؤته فتاة، ووقعت بسبب هذا الجمال في أحداث كأحداث بعض أفلام هوليوود، بسبب وقوع الوالي العثماني ناظم باشا في حبها ورفضها لهذا الحب وتصديها له.
ولدت سارة في بغداد عام 1889، وفقدت والدتها صوفي (1856-1895) وأختها الصغيرة زابيل، ثم والدها قبل أن تبلغ سن الرشد وتبقى تحت رعاية عمتها صوفي ووصاية عمها سيروب اسكندريان. وكانت سارة قبل مولدها قد فقدت أخاً لها، أسمه كيروب، بعد خمسة أشهر من مولده (ولد في 22 آب-أغسطس 1886 وتوفي في 28 كانون الثاني-يناير 1887). وحرص العم على التمسك بالوصية على سارة لانتفاعه منها. وقد خلف لها والدها ثروة طائلة جداً، تتضمن أموالاً وبساتين وأراضي زراعية في بغداد والصويرة والحلة ومنطقة الشوملي، فضلاً عن أراضي واسعة ضمن حدود أمانة بغداد قسمت وبيعت لتغدو في ما بعد منطقة سكنية تعرف بحي الرياض (كمب سارة). وكان المنزل الفخم لأهل سارة يقع في شارع الرشيد ببغداد على ضفاف نهر دجلة، وأصبح في ما بعد احد فنادق بغداد المعروفة وأسمه (ريفر فرونت هوتيل)، وقيل أن أملاكها كانت من الكثرة وكبر المساحة بحيث كان القطار سيستغرق في مسيره مدة نصف ساعة للخروج من حدودها !!
وكان والدها المحسن قد أوقف أحد بيوته الكبيرة الى الطائفة الأرمنية بعد وفاة ابنته زابيل في عام 1897، وهي في سن السادسة من العمر، لتكون مدرسة سميت تخليداً لذكراها باسم (المدرسة الزابيلية)، وهي أول مدرسة للبنات في بغداد تأسست عام 1901، والتي دمجت عام 1917 مع أول مدرسة أرمنية أنشئت في بغداد عام 1852 باسم (تاركمانجاتس) وتعني (المترجمون) لتتكون منها أول مدرسة مختلطة في العراق، وهي مدرسة الأرمن المختلطة الأهلية.
بدأت قصة سارة مع الوالي العثماني ناظم باشا، تلك القصة التي وصلت أخبارها الى اسطنبول وربما الى أوروبا، ذات ليلة من شهر آب-أغسطس 1910 عندما أقام ناظم باشا، متظاهراً بالتجديد ومدعياً تأثره بالمجتمع الفرنسي الذي عرفه أثناء إقامته في باريس فترة من الزمن، حفلة راقصة على ظهر باخرة نهرية من أجل إنشاء مستشفى الغرباء ببغداد. وكانت الحفلة مختلطة حضرها القناصل وزوجاتهم وأفراد الجاليات الأجنبية وبعض العائلات المسيحية، وقد زينت الباخرة بالأنوار والأعلام وصدحت فيها الموسيقى. وكانت بغداد تشهد لأول مرة حفلة من هذا النوع، وقد حضرتها سارة مع أفراد عائلتها وهي تلبس الإزار والخمار (البوشي) على الطريقة التي كانت مألوفة يومذاك، ولم يكد الوالي يشاهدها حتى شغف بها حباً على الرغم من الفرق الكبير بين عمريهما، إذ كانت سارة في الحادية والعشرين من عمرها بينما هو كان في الخمسين[1].
وظل الوالي يتحين الفرصة للوصول إليها والتعرف عليها، ولما عرف أنها ابنة أخ سيروب اسكندريان الذي كان قد عينه مديراً للإدارة النهرية شعر وقتذاك أن الطريق ممهد له، فلم يتوان وتقدم منها لتكون بعد لحظات موضع رعايته واهتمامه.
وكانت سارة قد ضاقت ذرعاً بوصاية عمها على ثروتها الكبيرة، كونه يتصرف بأموالها لنفسه، فاعتبرتها فرصة ذهبية لتستعين بالوالي على فسخ هذه الوصاية واستبدالها بوصاية مطران الكنيسة الأرمنية. لذا طلبت من ناظم باشا موعداً لزيارته، فكان الجواب سريعاً. وفي الموعد المحدد ارتدت سارة العباءة وأسدلت على وجهها الخمار على هيئة ما كانت نساء بغداد يفعلنه وقتذاك عند الخروج الى الشارع، واصطحبت معها عمتها صوفي التي كانت تقف الى جانبها في رفض وصاية العم سيروب، ورحلت تريد مقابلة الوالي في داره.
ويبدو أن هيبة الوالي العجوز ونظراته قد أخرست سارة عن الكلام في هذا اللقاء، فتولت العمة صوفي شرح الموضوع الذي أنصت إليه الوالي بشكل جاد. وبعد أيام من هذا اللقاء، أرسل الوالي في طلب العم سيروب وولده تانييل (دانيال) وطلب منهما أن يقدما كشفاً بالحساب لإرث سارة. فاستبشرت سارة خيراً، إلا أن الأمور سارت بمنحى آخر، إذ بادر بادر ابن عمها تانييل الى زيارتها في إحدى الأمسيات وذكر لها، وهو مضطرب، أن ناظم باشا يريدها زوجة لسكرتيره الخاص سورين.
وتصورت سارة أن تانييل غير جاد وأنه يمزح معها، إلا أنه قطع عليها ظنونها هذه عندما استطرد يزين لها هذا الزواج، فطردته وأسمعته من جارح الكلام ما جعلها تظن أنه لن يعاود. بيد أنه عاد إليها بعد يومين ليقدم لها عرضاً آخر (أكثر إغراء) عندما قال لها أن الوالي يريدها زوجة له ! ورفضت سارة (عرض) تانييل هذا لها وطردته ثانية، فشعر الوالي أن صبية بغدادية لا تملك ما يملكه هو من سطوة واقتدار قد تمردت عليه من دون رهبة أو خوف، فأخذ بتضييق الخناق عليها ونصب الشراك لها، فإذا بها تفلت من واحد حتى يكون الثاني في انتظارها وهي صامدة ببطولة وشجاعة، وتبين للباشا أنها فتاة من طراز خاص ذات إرادة وشخصية قوية.
وأوعز الوالي الى (الجندرمة) بأن يقتحموا بيتها، فتسلقت الجدار الذي بفصل بينها وبين جارها القنصل الألماني في بغداد هسا الذي وجد أن بقاءها في داره قد يسبب أزمة دبلوماسية، لأنه لا يشك في أن الوالي الخرف قد لا يتورع عن اقتحام داره ذي الحصانة الدبلوماسية، فنقلها على الفور الى دار السيد داود النقيب (ابن أخ السيد طالب النقيب نقيب الأشراف في بغداد) في محلة باب الشيخ ببغداد، فآواها النقيب ووفر لها حماية كاملة منطلقاً من مبادئه الإسلامية في نصرة المظلوم والوقوف الى جانب الحق، وشهامته وتربيته العربية في حماية (الدخيل) أو اللاجئ. ولم يتجرأ الوالي على اقتحام دار السيد النقيب، نظراً للاحترام الكبير الذي كان يحظى به من قبل جميع الناس، إلا أن الوالي وزع جلاوزته (الجندرمة) حول الدار لإلقاء القبض على سارة عند مغادرتها للدار.
وبقيت سارة في دار السيد النقيب خمسة أيام أمعن الوالي خلالها في التضييق عليها وإيذائها، فاعتقل خادمتي سارة لولو وفريدة بتهم ملفقة باطلة، وأمر أصحاب الزوارق الصغيرة التي تعمل بالمجاذف (البلامة) وأصحاب الحيوانات التي تستخدم في التنقل بالامتناع عن مساعدتها في التنقل بأي من وسائطهم، كما أبعد خطيبها الى كركوك لأداء الخدمة العسكرية هناك، على الرغم من دفعه للبدل النقدي الذي كان يمنحه الحق في أداء الخدمة العسكرية في محل إقامته.
وبلا شك، تسربت القصة الى أوساط العامة في بغداد، ونشأت الأغاني و (البستات) التي تتضمن إشارات غير مباشرة الى سلوك الوالي. ووقف أهل بغداد الى جانب سارة، ولا يستبعد أن يكون البغداديون قد ربطوا بين تصرف الوالي الشخصي هذا وبين موقعه كحاكم لدولة أجنبية تسيطر على العراق وتتصرف بمقدراته، ولهذا هبوا جميعاً لنصرة سارة كمواطنة عراقية لحقها حيف وظلم من حاكم غريب عن الوطن.
ونصر أهل بغداد سارة على الوالي مرتين: مرة عندما خرجت من دار السيد النقيب وهي محجبة تستقل عربة (يجرها حصانان)، إذ لمحها الرقباء من (الجندرمة) الذين انتشروا حول الدار. وعندما تصدوا لها قصد إلقاء القبض عليها افتعل شباب محلة (باب الشيخ) أمراً صرفوا إليه (الجندرمة) عن عربة سارة، وبذلك فوتوا عليهم الفرصة وكان أن أفلتت من أيديهم. ونصرها أهل بغداد ثانية عندما حاول ابن عمها تانييل اختطافها وهي في حديقة بيتها المطل على شاطئ نهر دجلة بزورق أرساه عند الحديقة، فصرخت واستنجدت بجيرانها من الفلاحين المجاورين لبيتها، فهبوا لنجدتها بالعصي و(المساحي) و(المگاوير)، فهرب تانييل بجلده لا يلوي على شيء.
وكانت سارة قد أودعت حليها لدى ابن عمها فطالبته بأن يعيده إليها بعد الذي جرى لها منه ما جرى، فأعاده إليها. وعندما تفحصته وجدت أن واحداً من خواتمها الذي لا يقدر بثمن غير موجود. ولما استطلعت منه عن أمره أخبرها أنه موجود لدى الوالي وأنه يحتفظ به.
وبرغم ما يمتلكه هذا الوالي من المقدرة على التصرف بالأمور، وهو (الحاكم بأمره)، إلا أن سارة تماسكت بشكل بطولي واستطاعت أن تقابل إجراءاته ومضايقاته بصبر وصلابة ثابتة.
واستقر رأيها على استرجاع الخاتم من هذا العاشق الخرف، فجمعت عائلتها وطلبت منهم أن يصحبوها الى بيت الوالي لمطالبته بالخاتم واسترجاعه منه، وكان لها ما أرادت. فقد ساد هذا اللقاء جو من الرهبة والخوف وأخرج الباشا الخاتم من جيبه وقال وهو ينظر الى سارة نظرة امتزجت فيها معاني التهديد بالغضب: "هل أعيد الخاتم إليك يا سارة أو احتفظ به عندي ؟" فالتفتت إليه سارة وأجابته بشجاعة:
"إذا كنت يا باشا تريد الخاتم مقابل ما أسديته لي من جميل فهو لك، أما إذا أردته لشيء آخر فيؤسفني أن أرفض". فانقلبت سحنة الباشا فجأة واحمرت عيناه غضباً واستولى على الحاضرين من الأقارب خوف شديد. وفجأة قال الباشا:
"انصرفوا ..غداً سأبعث الخاتم إليكم"، وانصرف الحضور.
وهنا دخلت السياسة بطرفها في هذا الحادث، إذ كان في بغداد آنذاك أعضاء لكل من حزب الاتحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف والذي كان ناظم باشا أحد أبرز أعضائه. واستغل حزب الاتحاد والترقي ذلك التذمر الشديد وسخط الشارع البغدادي على الوالي وتصرفاته، واستنفروا شهامة أهل بغداد وحميتهم ونظموا الاحتجاجات للتنديد بناظم باشا وسياساته وتنظيم حملة ضده وضد حزب الحرية والائتلاف.
أثناء ذلك، وصل الى بغداد إسماعيل حقي بابان، من أسرة آل بابان العراقية المعروفة، في جولة انتخابية وصحفية باعتباره مراسل صحيفة (طنين) المعروفة بولائها لحزب الاتحاد والترقي. وتم اطلاع بابان على جلية الأمر لكي ينبري لفضح أعمال الوالي على صفحات صحيفته أو في مجلس المبعوثان إن هو فاز بعضويته، ونظم لقاء لسارة به في محلة (الصابونجية) ببغداد. والتقت سارة في دار سليم باشا بالسيد إسماعيل حقي بابان وأطلعته على كل ما جرى، وقد وجدت فيه من الحماس والاندفاع ما زادها شجاعة وصلابة.
وعاد بابان الى اسطنبول ليبسط موضوع سارة هناك، وقام نواب العراق (نائبا الموصل ونواب بغداد والديوانية وكربلاء وكركوك) في مجلس المبعوثان العثماني بتقديم تقرير عما جرى في هذا الموضوع في 12 كانون الثاني-يناير و 6 شباط-فبراير 1911. وانتقد طلعت باشا وزير الداخلية ناظم باشا على سلوكه، ملوحاً بالتحقيق وعزل ناظم باشا.
وسارع أعضاء حزب الحرية والائتلاف الى مؤازرة ناظم باشا والدفاع عنه في صحيفة (صدى بابل) لصاحبها داود صليوه، وصحيفة (الرياض) لصاحبها سليمان الدخيل. واتخذت الصحف البغدادية الأخرى موقف النقد والمعارضة لناظم باشا.
على أن حماقة ناظم باشا دفعته أكثر الى الانحدار في سلوكه بعد أن أحس بنذر الخطر تحدق به، فراح يحاول الحصول على تقرير طبي يؤيد إصابة سارة بمرض عقلي يتطلب وضعها تحت الحراسة. وبلغ الأمر مسامع سارة وأدركت ما يعنيه هذا الإجراء إن نجح ناظم باشا في تحقيقه، فأخذت تعد العدة للخروج من بغداد والهروب الى أية جهة تكون فيها بمنجاة من تصرفه. لذا سارعت الى الهرب من بغداد بمساعدة راهبات دير الراهبات الفرنسيات متخفية بزي راهبة وبصحبة الراهبة هنرييت والراهب الاسباني بيير. واستطاع الثلاثة أن يغادروا محلة (رأس القرية)، حيث يقع الدير، الى منطقة (المصبغة) المجاورة للمدرسة المستنصرية، واستقلوا باخرة من بواخر شركة لنج المعروفة التي كانت ترسو عند شاطئ المنطقة، للذهاب الى البصرة.
كانت سارة ما أن تتخلص من مأزق حتى يعترضها مأزق آخر، لأن الباشا كان مصراً على أن يظفر بها. ولهذا ما أن تفشل خطة حتى يبادر الى أخرى، وكانت سارة تفلت من أي حصار يضربه عليها الباشا مهما بلغت دقته. وكانت العيون التي بثها الوالي في كل مكان قد نجحت في رصد تحركات سارة بشكل دقيق. فقد عرف ناظم باشا أن سارة انتقلت الى باخرة شركة لنج، ولهذا أرسل عدداً من (الجندرمة) لإلقاء القبض عليها.
وحاول جلاوزة الوالي اقتحام الباخرة، إلا أن قائدها منعهم من ذلك، باعتبارها تحمل العلم البريطاني وتابعة لقنصلية أجنبية. وكانت بواخر هذه القنصليات تتمتع بحصانة دبلوماسية كالقنصليات التابعة لها. وهكذا، فشل الوالي مرة أخرى في القبض على سارة. وانطلقت الباخرة الى البصرة، وصدرت الأوامر الى قائدها بأن يقودها بأقصى سرعتها ودون توقف في أية مدينة تمر بها.
وأستمر الوالي الطاغية بمحاولاته للقبض عليها وفكر في وسيلة أخرى. فقد حاول إعادتها من البصرة مدعياً أن راهبات دير الراهبات الفرنسيات أجبرن سارة على التخلي عن مذهبها الأرثوذكسي واعتناق المذهب الكاثوليكي الذي كانت عليه هؤلاء الراهبات.
وتعاونت القنصلية البريطانية في البصرة مع القنصل الروسي هناك لتهريب سارة على إحدى البواخر الراسية في شط العرب والتي كانت تستعد للتوجه الى مدينة بومبي. ورست الباخرة في ميناء بوشهر الإيراني في الخليج العربي، وبقيت هناك مدة من الزمن تحت رعاية السير برسي كوكس المقيم البريطاني في بوشهر، والذي ساعدها في إرسال برقيات الاحتجاج الى اسطنبول، والمحافظة على أملاكها ببغداد من استيلاء ناظم باشا عليها. وقام السير برسي كوكس بإصدار تقرير طبي يؤيد كونها سالمة من أي مرض عقلي، وذلك رداً على طلب القنصلية العثمانية بذلك، تركت بعدها سارة بوشهر الى بومباي حيث استقرت لبعض الوقت.
في 17 آذار-مارس 1911 ورد الأمر من اسطنبول بعزل ناظم باشا من ولاية بغداد. وبعد ثلاثة أيام توجه ناظم باشا بالباخرة الى البصرة، ومن هناك ذهب الى اسطنبول عن طريق بومبي. ولم ينس أثناء مروره بمدينة بومبي أن يبحث عن سارة. وشعرت إدارة الهند البريطانية بالأمر، فأوعزت الى سارة خاتون أن تتوارى عن النظار لفترة ريثما ييأس الباشا المتصابي فيغادر بومبي. وعندما عادت سارة الى شقتها بعد تأكدها من سفره، سلمتها صاحبة البيت رسالة تركها لها ناظم باشا يعبر فيها عن (حبه)، وأرفق معها صورة له !!
وعلى إثر عزل ناظم باشا، نظم الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي قصيدة بعنوان (طاغية بغداد)، وفي ما يأتي أبيات منها:
رام هتـكاً لمـا تصـون فتـاة كسبت في أمر العفاف اشتهاراً
بنت قوم لم يدنس العرض منهم بقبيح هم من سـراة النصارى
أيهـا المصـلح الـكبير أهـذا ما يسـميه بعضـهم اعمـارا
يا مهين العراق هل كنت تدري أن أهل العراق ليسـوا غيارى
سر بعيـداً الى سـلانيك عنـا أن فيهــا كواعبـاً أبكــاراً

وتولى ناظم باشا وزارة الحربية عندما تسلم الائتلافيون الحكم في 22 تموز-يوليو 1912، ثم قتل بعد أشهر محدودة من قبل متظاهرين اقتحموا الباب العالي أثناء انعقاد مجلس الوزراء في خضم هزائم الجيش العثماني إبان حروب البلقان الأولى.
وغادرت سارة بومبي الى باريس حيث تزوجت عام 1913 من تانييل اوهانيس تاتيوسيان (1875-1922)، وهو عراقي أرمني. وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) أوزارها، عادت الى بغداد مع زوجها، وأخذت ترعى ثروتها بنفسها. وقد سمت ولدها برسي (ولد ببغداد في عام 1922 وتوفي فيها عام 1987) تيمناً بالجميل الذي أبداه لها السير برسي كوكس، وسمت ابنتها صوفي (ولدت ببغداد في عام 1917 وتوفيت فيها عام 2002) على اسم أمها وعمتها. كما ولدت لها ابنة أخرى أسمتها ادما (ولدت ببغداد في عام 1919 وتزوجت في انكلترا وتوفيت فيها هذا العام -2006-).
ويروي الذين عاصروها الكثير من الحكايات عن كرمها الذي تجاوز حد المعقول الى التبذير والإسراف، فجاء هذا الإسراف على آخر فلس من ثروتها، فضلاً عن عملية الإحتيال التي تعرضت لها. وقد أحيطت بالخادمات والطباخات وبسائقها، وكانت الدعوات التي تنظمها في بيتها فريدة من نوعها في بغداد.
وتميزت سارة خاتون أيضا بمواقفها المشرفة من بني جلدتها من الأرمن الذين عانوا من مجازر الإبادة الأرمنية على يد الحكام العثمانيين عام 1915. ففي هذا العام، تم تهجير قافلة نضم نخبة من المثقفين والبارزين من الأرمن في بغداد، بضمنهم الأستاذ والمربي الفاضل ومدير المدرسة الأرمنية ببغداد مهران سفاجيان الذي هجِّر الى رأس العين حيث توفي. كما استشهد هاكوب نرسيسيان، وهو لغوي من القدس وكان مترجماً في القنصلية البريطانية في بغداد، وكارنيك كيومجيان وآخرين. وأعقبت هذه القافلة قافلة ثانية من المهجرين. ولدى علم سارة بأنه يتم الإعداد لتهجير قافلة ثالثة من الأرمن، لجأت الى بعض الأعيان العرب وسألتهم الوساطة لدى الوالي للعدول عن قرار التهجير. وبجهود سارة، تم إنقاذ أفراد هذه القافلة وتوقفت عملية تهجير الأرمن.
وفي عام 1917، أسست سارة خاتون مع عدد من النساء الأرمنيات في بغداد الهيئة النسوية الأرمنية لإغاثة المهجرين الأرمن بفعل مجازر الإبادة الأرمنية في الدولة العثمانية عام 1915، والتي راح ضحيتها مليون ونصف المليون من الأرمن وترك عشرات الألوف من المهجرين والمشردين. وفي الوقت ذاته، قامت سارة خاتون وزوجها تانييل (قبل أن يتوفى في باريس في عام 1922) بتوزيع الطعام والملبس على 20 ألفاً من المهجرين الأرمن في العراق.
وبزيادة عدد المهجرين الأرمن، أصبح حي (كمب الكيلاني) لا يستوعبهم، مما استدعى تدخل سارة مرة أخرى لإبداء المساعدة، إذ قامت في العام 1937 بتوزيع أراضيها لقاء مبالغ مالية زهيدة. ولكي تمنع أي استغلال، وتضمن حصول أكبر فئة من الناس على هذه الأراضي، لم تبع أية قطعة أرض تزيد مساحتها على 150 متراً. وسمي هذا الحي الأرمني حي (سارة الزنگينة) أو (كمب سارة).
ومنذ عام 1938، كانت سارة خاتون توفر الملابس والقرطاسية لجميع الطلبة المتعففين في مدرسة الأرمن. وعلى الرغم من ظهور البوادر لأزمتها المالية، فأنها استمرت بعملها الخيري هذا مدة عشر سنوات بلا انقطاع.
وبعد تأزم أوضاعها المادية أتتها الضربة الكبرى، إذ فقدت في يوم واحد، وإثر عملية احتيال تعرضت لها، كل ما تملك حتى منزلها. وقام أناس بمساعدتها بشكل ظاهر أو مستتر. وقد استمرت خادمتها المخلصة وسائقها الشخصي بخدمتها بلا مقابل حتى وفاتها في 5 كانون الأول-ديسمبر 1960.
ووصف ليباريد آزاديان مؤلف كتاب (ذكريات دجلة) واقعة جمعته بسارة خاتون في بغداد بعد أن فقدت ثروتها، فقال:
"في يوم صيفي لاهب وفي الساعة الثانية بعد الظهر، وعندما كنت أقود سيارتي لمحت سارة خاتون وهي تنتظر في محطة لحافلات الباص، من دون أن تضع قبعة يحمي رأسها من أشعة الشمس. وكان منظراً لا يصدق. وفكرت في أنها يمكن أن تصاب بضربة شمس، وقد تجاوزتها، بيد أن ضميري أخذ يؤنبني. كيف كان في إمكاني تجاهل سارة خاتون وتركها في هذا الوضع، وأنا الذي كنت أردد أسمها المشرف دائماً في طفولتي، وقررت العودة لمحطة الناص وقلت لها:
- سيدة سارة، تفضلوا، سأنقلكم بسيارتي الى حيث ترغبون. فكان جوابها:
= شكراً ولدي، ستضايق نفسك. فقلت لها:
- لا توجد أية مضايقة، وأرجو كثيراً أن لا ترفضوا عرضي هذا.
ونزلت من السيارة وقدتها إليها، وكان العرق يتصبب منها بغزارة !! وفي الطريق قلت لها:
- سيدة سارة، إنكم لا تعرفونني. أنا وأمثالي جثنا مهاجرين الى بغداد وحظينا بدعمكم المعنوي والمادي، وأنني أشعر دائماً بالعرفان بالجميل تجاه شخصكم، وأنكم بإعمالكم الخيرية صرتم فخراً لأرمن بغداد.
ولم يصدر منها أي تعليق على كلامي هذا. وعندما وصلنا، فتحت لها باب السيارة. وبعد أن نزلت من السيارة، رفعت رأسها وقالت لي:
= شكراً، أيها السيد".
لقد كانت حياة سارة خاتون مليئة بالمآسي التي واجهتها بكل صلابة وشجاعة، فقد توفي أخ لها في عمر خمسة شهور قبل ولادتها. كما توفيت، وهي في سن صغيرة، أمها وأختها الصغيرة وأبوها، وتلاعب عمها بثروتها، وتعرضت للصعوبات الكثيرة إثر ملاحقة الوالي ناظم باشا لها بسبب حبه لها الذي رفضته. كما توفي زوجها ولم يمض عشر سنوات على زواجهما، وأخيراً فقدت ثروتها الطائلة. ورحلت سارة عن هذا العالم والحزن يعتصر قلبها، وهي لم تفهم لماذا يكون القدر قاسياً معها الى هذا الحد، وهي التي سعت دائماً الى فعل الخير للآخرين.
وتحتل سارة خاتون المرتبة الأولى في قائمة المحسنين في تاريخ الأرمن في بغداد، لأنها أنقذت الأرمن من القتل العثماني وساعدت المهجرين، وأدخلت البهجة والسرور في نفس الأطفال المتعففين. وكانت سارة محبوبة ومحترمة جداً من قبل الجميع، وكان الأعيان العرب ينظرون إليها على أنها أميرة ويجلونها كثيراً. كما حظيت بالاحترام الخاص من قبل البلاط العراقي.
وقد تحقق حلم الكاتب العراقي حامد المالكي في إنتاج مسلسل سارة خاتون الذي كتبه قبل سبع سنوات وقدمه الى القناة العراقية الأولى، ومن ثم الى عدد من القنوات الفضائية والشركات الإنتاجية، ولكنه لم يتم التوصل الى اتفاق لإنتاج هذا المسلسل. وقال حامد المالكي عن سارة: إنها كانت امرأة فاحشة الثراء والجمال، أعجب بها ناظم باشا وبشخصها وحبها للناس، إذ بنت للفقراء حياً يدعى الآن (كمب سارة)، وهي أول امرأة ركبت السيارة في العراق وكان نوعها (اوفرلايت) ورقمها 30. وأضاف: إن سارة خاتون عادت الى العراق (من باريس) لتعيش بين أحضان بلدها الذي كانت تحبه ولا تتخلى عنه، على الرغم من ثرائها وإمكانية عيشها في أي مكان تشاء، ولكن حبها للعراق وناسه جعلها ترجع وتتوفى فيه، وهي ماتت فقيرة ومعدمة لا تمتلك أي شيء. واعتبر المالكي المسلسل ملحمة في الدراما العراقية. ولعبت دور سارة في المسلسل ريام الجزائري المقيمة في سوريا، وهي ابنة أخ السياسي العراقي ووزير الثقافة الأسبق مفيد الجزائري والإعلامية فريال حسين. ودور سارة هو أول دور يسند لها.
كما عد المسلسل علامة بارزة في مسيرة تجربة المخرج العراقي صلاح كرم التي تمتد الى أكثر من ربع قرن من الزمن على الرغم من المآخذ على هذا المسلسل، منها ما يتعلق بجوانب من البناء الدرامي، والدقة والأمانة التاريخية، الى جانب الإسراف في إخضاع المسلسل الى سلطة الخيال وبناء أحداث فرعية. وأقحمت في المسلسل شخصيات غير حقيقية لغاية يرمي إليها المؤلف الذي قال:
".. أردنا أن نظهر الألفة والتعايش بين الديانات في العراق عبر زواج حامد العربي المسلم من رحلو (رحاب) اليهودية .. ومن خلال علاقة حب سارة الأرمنية بشوكت المسلم". ولدى إجابته عن السؤال حول الشخصيات التي لها وجود تاريخي حقيقي مطابق لما ظهر على الشاشة، قال:
"سارة ووالدها وعمها وابنه وعمتها والخادمتان لولو وفريدة والزهاوي .. الولاة بينهم ناظم باشا حقيقيون. داود النقيب وسبع صاحب المقهى ورحلو الحلبية وطيرة. ما ابتكرتاه لم يخل بسياق سرد الأحداث وكفى !"، مما يدل على عدم كون شخصية حامد البغدادي وشوكت وغيرها من الشخصيات حقيقية. وهي (إضافات) تشوه، عن غير عمد، الصورة الحقيقية لشخصية سارة.
لقد مر الكثير من الأثرياء عبر التاريخ، إلا أن أيا منهم لم يكتسب لقباً من هذا الثراء، إلا سارة التي اكتسبت من ثرائها لقباً اشتهرت به في العراق بـ (سارة الزنكينة)، أي الثرية. فكانت ثرية بحق بأخلاقها وعفتها وكرمها وحبها لعراقيتها وللناس وسعيها لمساعدتهم وحب الناس لها قبل ثرائها بالمال.


المصادر:
· د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الثالث، مطبعة الشعب، بغداد، 1972، ص 155 و ص ص 181-184.
· ليباريد آزاديان، ذكريات دجلة، دار نشر نافاسارت، لوس أنجلس، الولايات المتحدة الأميركية، 1990، ص ص 95-100 (باللغة الأرمنية).
· ماجد أحمد العزي، سارة المليونيرة العراقية التي ماتت فقيرة، مجلة ألف باء، بغداد، 27 أيار 1981، ص ص 42-45.
· د. أحمد السبتي، كمب سارة خاتون وسدة ناظم باشا، مجلة الاختيار، بغداد، العدد 23، ص ص 15-16.
· سجلات مطرانية الأرمن الأرثوذكس في العراق، بغداد.
· آ. ك.ابراهاميان، وصف موجز لتاريخ الجاليات الأرمنية، ج2، يريفان، 1967، ص 52 (باللغة الأرمنية).
· كارو كيفوركيان، الجالية الأرمنية في العراق (منذ نشوئها وحتى الآن)، الكتاب السنوي للجميع، السنة الرابعة، 1957، بيروت، لبنان، الصفحات 406، 410-411 (باللغة الأرمنية).
· كتاب الذكرى لجمعية الشبيبة الأرمنية في بغداد- صدر لمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيسها (1926-1976)، بغداد، ص 191 (باللغة الأرمنية).
· آرشاك آل بوياجيان، الأرمن العراقيون، هيئه للنشر وحرره فارتان كريكوريان، معهد ماشدوتس للمخطوطات القديمة –الماديناتاران، يريفان، أرمينيا، 2003، ص 73 (باللغة الأرمنية).
· ناطق خلوصي (قاص وناقد)، سارة خاتون .. واقعية الحدث وتوظيف الخيال، ملحق ألف ياء، صحيفة الزمان، بغداد، العدد 2551، 21/11/2006، ص 11.
· مجيد السامرائي، حامد المالكي: مسلسل سارة خاتون يعادل رسالة دكتوراه. سلالة من صلب البغدادي موضوع الجزء الثاني، صحيفة الزمان، بغداد، العدد 2558، 30/11/2006، ص 19.
· إسراء خليفة، بمشاركة فنانين عرب- مسلسل سارة خاتون يبدأ تصويره في سوريا، صحيفة الصباح، بغداد، العدد 863، 18 حزيران 2006، ص 10.

[1] وردت تفاصيل القصة في الفصل الأول من كتاب خيري العمري (حكايات سياسية) المنشور في القاهرة في عام 1969.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
p--cmYrAD_e345B