Thursday, June 15, 2006

رحلتي الأولى إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية 8

السابع من أبريل- الخامس من مايس 2006
-الحلقة الثامنة والأخيرة-

لقاء اوسكانيان مع طلبة جامعة آرتساخ-غاراباغ

وأخبرتني اناهيت أنها أعدت لي برنامجاً يتضمن حضور اللقاء لوزير الخارجية لأرمينيا فارتان اوسكانيان مع طلبة جامعة آرتساخ-غاراباغ الرسمية، وإجراء لقاء مباشر مع محطة التلفاز الرسمية في الجمهورية. وقد حضرت أولاً لقاء اوسكانيان الذي جرى في قاعة كبيرة امتلأت بالحاضرين جلوساً ووقوفاً.
وتحدث اوسكانيان خلال اللقاء عن أفق حل مسألة غاراباغ، وقال: إن عجلة التاريخ لا يمكن ارجاعها إلى الخلف كما تريدها أذربيجان بعد أن حصلت غاراباغ على حريتها واستقلالها وبعد التضحيات النفيسة التي بذلها سكان الإقليم، ومنهم طلبة ومنتسبي جامعة آرتساخ-غاراباغ الذين قدموا 70 شهيداً في الحرب. وأضاف: أن لا أحد من المسؤولين في أرمينيا أو غاراباغ الجبلية يمكن أن يقبل بارجاع السيطرة الأذربيجانية على الإقليم، ولا يمكن التحدث عن وحدة وسلامة أراضي اذربيجان، لأن غاراباغ لم تكن أبداً جزءاً من أذربيجان. وهنا قابل الحاضرون هذا التصريح بالتصفيق الحاد.
وأشار اوسكانيان إلى سياسة إنكار تركيا للإبادة الأرمنية لعام 1915 وانضمام أذربيجان اليها في هذا الإنكار وقيامها هي الأخرى بممارسة الإبادة الثقافية بحق النصب الأرمنية في إقليم ناخيتشيفان. وأكد أنه لا يمكن السماح بأن يقف شعبنا مرة أخرى أمام محنة الإبادة.
وذكر اوسكانيان أن الخطوط الحمراء التي لا يمكن أن يتجاوزها أي مسؤول في أرمينيا في مسألة غاراباغ، هي: حق تقرير المصير لسكان الإقليم، وضمان الأمن، إلى جانب ضمان اتصال الإقليم بأرمينيا.
وفي ختام اللقاء، وجهت لوزير الخارجية أسئلة كثيرة من الحاضرين. وقد لاحظت أن الطلبة كانوا يلقون أسئلتهم باللغة الأرمنية، وهم يتقنون اللغة الأم إلى حد كبير، في حين كان الأساتذة يلقون أسئلتهم أما باللغة الروسية أو بلغة أرمنية ضعيفة. وعلمت أن ذلك يعود إلى سياسة القمع والإضطهاد القومي التي كانت تنتهجها أذربيجان في الإقليم في السابق، إذ كانت تمنع التعليم باللغة الأرمنية، وتسمح به فقط باللغة الروسية أو الآذرية. فكان سكان الأقليم يختارون اللغة الروسية لغة للتعليم. وقد تغير هذا الواقع بعد إعلان الاستقلال في عام 1991، وأصبح الجيل الجديد يتلقى تعليمه باللغة الأم التي أصبحت لغة رسمية في جمهورية غاراباغ الجبلية.

في محطة التلفاز الرسمية

بعد انتهاء اللقاء في جامعة آرتساخ-غاراباغ الرسمية، توجهت إلى محطة التلفاز الرسمية في العاصمة، والتي تبث برامجها لمدة ساعتين يومياً. وقد حللت ضيفاً على برنامج يبث مباشراً ويحمل عنوان (باريف)، وتعني مرحباً باللغة الأرمنية. وقد عرفتني مقدمة البرنامج إلى المشاهدين، وطلبت مني الحديث عن حياة الأرمن العراقيين اليوم، لا سيما فئة الشباب، والتحدث عن نشاطاتي في مجال الدفاع عن القضية الأرمنية، وعن انطباعاتي من الزيارة الأولى لأرمينيا وغاراباغ الجبلية، وتصوراتي لأفق حل مسألة غاراباغ وقضية الاعتراف بالإبادة الأرمنية من قبل تركيا. واستغرق البرنامج 48 دقيقة، وتخللته تحقيقات تلفازية عن حياة الناس والصناعات اليدوية في غاراباغ الجبلية، فضلاً عن فواصل غنائية.
وقمت بالإجابة عن التساؤلات العديدة التي وردت من المشاهدين للبرنامج عبر الهاتف. وبعد انتهاء البرنامج أخبرتني المشرفة على الاتصالات أن العديد من المتصلين الذين لم يسمح وقت البرنامج للاجابة عن أسئلتهم قد سألوا عن ظروفي واحوالي الشخصية والعائلية وعن اسم المدينة في أرمينيا الغربية التي يتحدر منها آبائي وأجدادي. وقد أجبت عن التساؤل الأخير في البرنامج.
وكان شعوري بالفرح لا يوصف لظهوري للمرة الأولى من على شاشة التلفاز لغاراباغ الجبلية في بث مباشر. ولم أتصور في يوم من الأيام أن الفرصة ستسنح لي للتحدث مع سكان آرتساخ-غاراباغ الذين تابعت مسيرة نضالهم يوماً بيوم عبر الصحف ووسائل الاعلام وأعجبت بالاصرار وروح التضحية التي يملكونها من أجل نيل الحرية والاستقلال.
وهنأتني اناهيت وأهلها ومعارفها على هذا اللقاء، وقالت اناهيت لي مازحة: الآن يا صديقي قد أصبحت معروفاً لجميع سكان غاراباغ الجبلية !! وفي اليوم التالي، وعندما استقلت الباص للرجوع إلى يريفان، تعرف اليَّ السائق الذي قال لي: لقد رأيتك بالأمس من على شاشة التلفاز !! وأخذ يهتم بي ويعاملني معاملة خاصة مقارنة بباقي الركاب !! وعند وقوف الباص في إحدى المواقع على الطريق، التقيت شاباً تصادف وجوده معي في باص الذهاب إلى ستيباناكيرت، والذي قال لي أنه شاهد البرنامج وطلب مني العنوان الإلكتروني لموقعي هذا الذي ذكرته في البرنامج ليتسنى له متابعة مقالاتي التي أكتبها باللغة الإنكليزية.
وقد تمتعت جداً بهذه الزيارة وبكرم ونبل سكان ستيباناكيرت وأهل اناهيت بشكل خاص. وكان لا بد لكل زائر لغاراباغ أن يتذوق الخبز الخاص طيب المذاق الذي يعده أهلها، ويسمى (خبز جينكال)، وهو خبز ممزوج بالأعشاب، ويعد مشابهاً لفطيرة اللحم بالعجين.
ولاحظت التمسك الشديد لسكان غاراباغ الجبلية بالدفاع عن قضيتهم العادلة واستقلالهم واعتراف المجتمع الدولي بهم، وإعادة الاعمار لجمهوريتهم، برغم ظروفها الاقتصادية الصعبة. وآمل أن يكون في مقدوري المشاركة في إعادة الإعمار لغاراباغ الجبلية، لا سيما أن شركة أرمنية للإنشاءات عرضت عليَّ خلال وجودي في يريفان العمل كمهندس بناء في الشركة التي تقوم بتشييد الطرق في أرمينيا والمدارس في غاراباغ الجبلية.

حادث سقوط الطائرة الأرمنية في البحر الأسود

في الأيام الأخيرة لرحلتي إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية، وبالتحديد في يوم الأربعاء الثالث من أيار-مايس 2006، وقع حادث سقوط الطائرة الأرمنية من طراز ايرباص (A-320) المملوكة لشركة (ارمافيا) الأرمنية للطيران في البحر الأسود، وهي في طريقها من يريفان إلى سوشي على البحر الأسود، مما أدى إلى مقتل جميع ركابها وطاقمها البالغ عددهم 113 شخصاً.
وقد عم الحزن جميع أنحاء أرمينيا ووضعت الموسيقى الحزينة والكلاسيكية في جميع القنوات التلفازية والإذاعية فيها، وأعلن يوما الخامس والسادس من أيار-مايس 2006 يوما حداد في أرمينيا وغاراباغ الجبلية، ويوم الخامس من أيار-مايس يوم حداد في روسيا الاتحادية.
وعرضت القنوات التلفازية في أرمينيا أسماء الضحايا وآخر الأخبار والتطورات في ما يتعلق بالبحث عن حطام الطائرة في البحر الأسود وصندوقها الأسود للتقويم الصحيح لأسباب الحادث. كما عرضت هذه القنوات قصصاً حزينة ومؤلمة من أهالي الضحايا الذين ذهب بعضهم للعمل في سوشي لمساعدة عائلاتهم مادياً، وعن أفراد طاقم الطائرة، ومنهم مضيفة في الخامسة والعشرين من العمر كانت تتهيأ للزواج من شاب يخدم في الجيش، وهي تحبه حباً جماً وتنتظر باستمرار مكالماته الهاتفية. وقد علمت أن من بين ضحايا الطائرة شخصاً أعرفه هو السيد هوسيك هاروتونيان الذي عرفته في بغداد عندما كان خلال عامي 2000 و 2001 مديراً لشركة (بروموتيفس) الأرمنية. وكان شخصاً طيباً ومحباً للجميع، ويسكن، برفقة زوجته كوهار، في البيت المجاور للمقر المؤقت لسفارة جمهورية أرمينيا في بغداد حيث كنت أعمل. وتم تأجيل حفل في قاعة خاتشاتوريان في مبنى الباليه والأوبرا كان صديق قد دعاني إليه في مساء يوم 3 أيار-مايس.

العودة إلى حلب

في ظل الأجواء الحزينة التي سادت أرمينيا بسبب حادث سقوط الطائرة، ركبت الطائرة السورية إلى مدينة حلب بعد منتصف ليل 5 أيار-مايس. وتصادف وجودي في مدينة حلب في اليوم الأول مع ذكرى يوم الشهداء في 6 أيار-مايس، وهي ذكرى قيام السلطات العثمانية في 6 أيار-مايس 1915 بنصب المشانق للزعماء العرب في دمشق وبيروت. وبثت القناة الفضائية السورية برنامجاً خاصاً بهذه المناسبة تطرقت فيه، وبشكل موسع، إلى مجازر الإبادة الأرمنية التي ارتكبها السفاحون من زعماء حزب الاتحاد والترقي بحق الشعب الأرمني في الدولة العثمانية.
وكانت مصادفة رائعة أن يتزامن وجودي في أرمينيا مع ذكرى يوم الشهداء الأرمن في 24 أبريل-نيسان، وفي سوريا مع ذكرى يوم الشهداء العرب في 6 أيار-مايس.

إنني في العراق

مكثت في مدينة حلب ثلاثة أيام، قررت بعدها العودة إلى بغداد بسلك الطريق البري الذي يمر عبر مجمع الوليد الحدودي. وقد وصل الباص إلى المجمع بعد منتصف الليل، وكان على المسافرين الانتظار حتى الصباح في انتظار دوام العاملين في المجمع.
وفي الصباح، دخل الباص المجمع، فشاهدت بقايا سيارات محترقة، وحواجز خرسانية، وجنوداً أميركيين. عندئذ قلت لنفسي: إنني في العراق !!

رحلتي الأولى إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية 7


السابع من أبريل- الخامس من مايس 2006
-الحلقة السابعة-

قصة إقليم آرتساخ-غاراباغ الجبلي

سمي إقليم غاراباغ بأسماء مختلفة تاريخياً. فقد سمي باسم (آرتساخ) الذي يتداول حتى اليوم من قبل سكان الإقليم أنفسهم. و(آرتساخ) تسمية أرمنية مؤلفة من مقطعين (-آر- نسبة الى آرا إله الشمس عند الأرمن و –تساخ- تعني غابة أو كرمة)، وبذلك، تعني كلمة (آرتساخ) غابة أو كرمة الإله آرا.
كما أطلق على الإقليم في المصادر العربية والأرمنية والبيزنطية والفارسية بين القرنين العاشر والثالث عشر الميلادي اسم (خاجين)، وهي مشتقة من كلمة (خاج) التي تعني صليب باللغة الأرمنية. ومنذ عهد ملك أرمينيا ساردور الثاني (765-735 ق.م.)، كانت (آرتساخ) جزءاً لا يتجزأ من أرمينيا.
تعرض الإقليم إلى غزوات الأتراك السلاجقة والتتر في القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، مما أدى إلى انسحاب الأرمن إلى المعاقل والمناطق الجبلية، في حين استقر الغزاة في المناطق المنبسطة. وفي القرن الرابع عشر الميلادي، تم تغيير اسم الإقليم من قبل الغزاة لطمس هويتها الأرمنية لتصبح (غاراباغ) أو (قره باغ) (ومعناها الكرمة السوداء).
وفي عام 1813، ضمت امارات آرتساخ-غاراباغ الأرمنية إلى روسيا القيصرية بموجب اتفاقية (كيولستان) بعد الحرب الروسية-الفارسية. وفي عام 1918، وبعد استقلال (أذربيجان) الذي وضع أسمها آنذاك لأول مرة كدولة على الخريطة، أصبحت غاراباغ موضع نزاع مع أرمينيا. ولم تكن قد ظهرت بعد تسمية (الاذربيجانيين)، بل التتر أو أتراك القوقاز حتى عام 1930.
إلا أنه، وبضغط من ستالين، تقرر ادخال الإقليم ضمن أذربيجان مع اعطائه حكماً ذاتياً. وفي 7 تموز-يوليو 1923، أعلن عن تكوين (إقليم غاراباغ الجبلي -أو ناغورني كاراباخ- للحكم الذاتي)، على الرغم من اعتراضات الأرمن. وسميت عاصمة الإقليم (ستيباناكيرت) نسبة إلى الزعيم البلشفي الأرمني ستيبان شاهوميان.
ونتيجة لسياسة القمع والاضطهاد القومي التي انتهجتها أذربيجان، قلت نسبة الأرمن في الإقليم من 94,4 بالمائة في عام 1921 إلى 76,9 بالمائة عام 1989. وقد تم الاعلان عن جمهورية آرتساخ-غاراباغ الجبلية في 2 أيلول-سبتمبر 1991، وأجري استفتاء في 10 كانون الأول-ديسمبر 1991، بحضور مراقبين من الاتحاد السوفييتي السابق والعالم، صوت فيه 82 بالمائة من السكان إلى جانب استقلال الجمهورية عن أذربيجان.
وخاض الإقليم نضالاً مسلحاً ضد القوات الأذربيجانية المهاجمة انتهت بانتصار جيش الدفاع الذاتي لغاراباغ، وتوقيع الهدنة بين الطرفين عام 1994، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن مع بعض الخروقات من قبل الجانب الأذربيجاني الذي يهدد بين آونة وأخرى باللجوء إلى القوة المسلحة لفرض سيطرته على الإقليم ومنحه ما يسميه (حكماً ذاتياً واسع النطاق). وتستمر المفاوضات بين الجانبين الأرمني والأذربيجاني باشراف مجموعة مينسك في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي للوصول إلى حل نهائي للمسألة. ويبلغ عدد سكان جمهورية غاراباغ الجبلية نحو 150 ألف نسمة، في حين تبلغ مساحتها حوالي 5000 كيلومتر مربع.
وتحاول أذربيجان تصوير مسالة غاراباغ على أنها مطالب إقليمية لأرمينيا في أراضي أذربيجان، في حين أن المسألة في الحقيقة تكمن في عدم احترامها لحقوق الإنسان وحق تقرير المصير لسكان الإقليم، وهو مبدأ معترف به دولياً، كما هي الحال مع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة.
كما تحاول أذربيجان تصوير الصراع على أنه ديني للحصول على دعم بعض الدول في منظمة المؤتمر الإسلامي، ويلقى هذا التوجه تشجيعاً ودعماً من قبل بعض وسائل الاعلام الغربية التي تحاول تصوير الصراعات على أنها دينية أو طائفية لأغراض استعمارية. فمن المعروف أن الشعب الأرمني يرتبط بعلاقات تاريخية وثيقة مع العرب والمسلمين[1]، وترتبط أرمينيا بعلاقات جيدة مع الدول العربية والإسلامية وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وتعيش جاليات أرمنية كبيرة بوثام مع الأشقاء العرب في الدول العربية، وقد نالت احتراماً ووداً كبيرين فيها لاخلاصها في العمل ووفائها لهذه الدول[2].

زيارة إلى جمهورية غاراباغ الجبلية

تلقيت أثناء وجودي في يريفان دعوة لزيارة جمهورية غاراباغ الجبلية من صحفية تقطن هناك أسمها آناهيت كنت، وأنا في بغداد، قد تعرفت إليها عبر شبكة الإنترنيت، وهي تعمل بشكل طوعي في أحد مواقع الإنترنيت للأخبار في غاراباغ الجبلية، إلى جانب عملها لحساب إحدى الصحف في أرمينيا. وكنت قد أرسلت لها من بغداد، بناء على طلبها، مقالتين ياللغة الأرمنية عن حياة الأرمن العراقيين لنشرها في موقع الإنترنيت التي تعمل فيه. وقد نقلت بعض الصحف والمواقع الأرمنية للإنترنيت في أرمينيا وجورجيا وإيران هاتين المقالتين عن هذا الموقع.
وبعد تلقي هذه الدعوة، قررت تلبيتها في اليوم العشرين لزيارتي لأرمينيا. واستقلت صباحاً باصاً للركاب يقل 18 راكباً من مرآب السيارات الرئيس في يريفان، والذي يقع في شارع الأميرال ايساكوف (نسبة إلى الأميرال في الاتحاد السوفييتي السابق وبطله أثناء الحرب العالمية الثانية هوفهانيس (إيفان) ايساكوف 1894-1967 وهو من أصل أرمني).
وكان الجو بارداً وممطراً، وفي نحو منتصف الطريق من يريفان الى ستيباناكيرت عاصمة جمهورية غاراباغ الجبلية الذي يبلغ طوله 362 كيلومتراً أخذ الثلج بالهطول، وكان منظراً أشاهده لأول مرة في حياتي !! وقد دهش بعض ركاب الباص كثيراً لدى علمهم بذلك، وكان يتوجب عليً أن أوضح لهم أن الثلج لا يسقط أبداً في بغداد حيث ولدت !!
وكان الطريق الذي استغرق نحو ست ساعات ونصف جبلياً ووعراً، لا سيما الجزء الممتد منه بين مدينة (كوريس) في إقليم (سيونيك) الواقع جنوبي أرمينيا ومدينة ستيباناكيرت، وهو الطريق الذي بلط باشراف الصندوق الأرمني العام وتبرعات الأرمن في المهجر. وقد توفرت لي فرصة طيبة عبر الطريق للإطلاع على طبيعة أرمينيا الساحرة بسهولها وجبالها ووديانها.
وفي الباص، كان شاب في الخامسة أو السادسة والثلاثين من العمر، وهو من غاراباغ، جالساً بقربي. وعندما تحدثت إليه، شاهدت أثر جرح غائر على طول جبينه، فسألته: هل هذا أثر جرح أصبت به في حرب غاراباغ، وكان جوابه: نعم، إنه أثر جرح بليغ أصبت به أثناء الحرب في منطقة (مارداكيرت) شمالي إقليم غاراباغ. وكان في الباص أيضاً عجوز أرمني ذكر أنه أب لشهيد في حرب غاراباغ، وكانت عائلته قد قدمت شهيداً للوطن في حرب سارداراباد في أيار-مايس 1918 ضد القوات العثمانية التي غزت أرمينيا الشرقية لاستكمال مخطط الإبادة الأرمنية في أرمينيا الشرقية بعد تنفيذه في أرمينيا الغربية والأجزاء الأخرى من الدولة العثمانية. بيد أن الأرمن انتصروا في هذه المعركة، واضعين الأساس لاستقلال أرمينيا في 28 أيار-مايس 1918 وإعلان الجمهورية الأولى.
وفي الطريق إلى مدينة ستيباناكيرت وضعت دبابة في موضع عال يمكن مشاهدته من الطريق، وهي أول دبابة أرمنية دخلت مدينة شوشي أثناء تحريرها، وقد أصيبت في المعركة واستشهد طاقمها ما عدا مقاتل واحد .
وفي مدينة ستيباناكيرت التي وصلتها مساءً كانت في استقبالي آناهيت. وقد حللت، أثناء بقائي في مدينة ستيباناكيرت ليومين، ضيفاً في منزل شقيق آناهيت الذي يقع في حي ريفي يتمتع بطبيعة خلابة، حيث الجبال العالية ونهر يسمى (كاركار) يمر بالقرب من هذا المنزل.
ويتمتع الأقليم بطبيعة ساحرة، ويسمى أيضاَ (درة القوقاز) أو (سويسرا أرمينيا) لطبيعته الخلابة وأرضه الخصبة، ووجود الأنهار ومصادر المياه الوفيرة فيه. وكان الجو في مدينة ستيباناكيرت في هذا الوقت يتغير، كما هي الحال في يريفان، عدة مرات في اليوم الواحد من المشمس إلى الغائم وإلى الممطر.
وبعد الوصول إلى مدينة ستيباناكيرت لم أضيع الوقت، فبدأت تجوالي فيها على الرغم من الجو الممطر. وقمت بزيارة ساحاتها ونصبها، منها نصب شهداء حرب غاراباغ ومقبرة الشهداء بالقرب من نصب الانتصار في الحرب العالمية الثانية[3]. ومن أبرز المعالم لمدينة ستيباناكيرت وغاراباغ نصب (الجد والجدة) الذي يرمز إلى المعمرين الأرمن، ويقع في مكان عالٍ ويرتفع من الأرض بلا قاعدة.
وكانت مدينة (شوشي) الواقعة على جبال شاهقة الارتفاع تظهر من المنزل الذي سكنت فيه. وقالت اناهيت لي، وهي تشير إلى أحد الجبال القريبة، إن الجنود الأذربيجاميين نزلوا في إحدى المرات من هذه الجبال، واختطفوا عدداً من الفتيات الأرمنيات، بيد أن السكان الأرمن لحقوا بالجنود وأنقذوا الفتيات منهم.
وقام جنود غاراباغ في 9 أيار-مايس 1992 بتحرير مدينة (شوشي) ذات الأهمية الاستراتيجية في عملية عسكرية كاسحة لوقف القصف المتواصل الذي كانت تتعرض له العاصمة ستيباناكيرت من قبل الأذربيجانيين، والذي أسفر لأشهر عدة عن انقطاع المواصلات وندرة الماء والطعام. وسقط في هذه المعركة 29 شهيداً من جنود جيش الدفاع الذاتي لغاراباغ.
وتحدثت اناهيت لي عن شهيدين من أقاربها في الحرب، إلى جانب شهيد آخر كانت تعده أخاً لها، وقد تألمت بشدة عندما تذكرته، وقالت: إنه أصيب بشكل بليغ في إحدى المعارك، وبقي في المستشفى ثلاثة أسابيع قبل أن يستشهد، مضيفة: إنها تتذكره دائماً كأنه موجود ويتحدث معها.
وقد التقيت أخ اناهيت الأصغر (آفو) الذي يبلغ الثالثة والثلاثين من العمر، والذي التحق بحركة تحرير غاراباغ منذ صباه في عام 1989، ثم أصبح مقاتلاً بارزاً وأحد القادة الميدانيين في المعركة. ولاحظت خلال مرافقتي له أنه يحظى باحترام الناس ورجال الشرطة له في الشارع، وقد التقطت بعض الصور التذكارية معه ومع اناهيت.
كما زرت مقر موقع الانترنيت الذي تعمل فيه اناهيت وتعرفت إلى المحررة المسؤولة نايرا، وهي أرملة شهيد في حرب غاراباغ، وفريق العمل الذي كان يعرفني من خلال المقالتين اللتين أرسلتهما للموقع في السابق.

[1] راجع في هذا الصدد نص محاضرتي في هذا الموقع تحت عنوان: أرمينيا والأمة العربية.
[2] في مقالة مقبلة في هذا الموقع، سأنطرق بشيء من التفصيل إلى تاريخ الإقليم والصراع الذي خاضه من أجل الاستقلال.
[3] من مجموع عدد سكان الإقليم البالغ 120 ألف نسمة، قدم الإقليم خلال الحرب العالمية الثانية 45 ألف مقاتل استشهد أو فقد نصفهم في المعارك.

Tuesday, June 06, 2006

رحلتي الأولى إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية 6




السابع من أبريل- الخامس من مايس 2006
-الحلقة السادسة-

في متحف تاريخ أرمينيا

يقع المتحف الحكومي لتاريخ أرمينيا في ساحة (الجمهورية)، وقد تأسس في العام 1921، وتحفظ فيه أكثر من (300) ألف معروض أثري تسلط الضوء على تاريخ الشعب الأرمني منذ الأزمنة القديمة وحتى الوقت الحاضر.
ويضم المتحف قاعات في الطابقين الأرضي والأول من المبنى تحوي معروضات من الحقب التاريخية المختلفة من السجاجيد، والصلبان الحجرية، والأبواب الخشبية المزخرفة للكنائس والأديار، والملابس الكهنوتية، والصناعات اليدوية، والتماثيل، والمصوغات الذهبية، والنقود المعدنية التي أستخدمت في أرمينيا في الحقب التاريخية المختلفة، إلى جانب أنواع مختلفة من اللقى الأثرية التي وجدت أثناء التنقيبات الأثرية التي أجريت في أرمينيا في العقود الأخيرة.
وقد جذب انتباهي في هذا المتحف، بشكل خاص، الجزء الذي عرضت فيه خرائط أرمينيا في العصور التاريخية المختلفة، ويحوي خرائط شرقية قديمة ويونانية ورومانية، وخرائط مسيحية وإسلامية من القرن السادس ق.م. وحتى القرن التاسع عشر الميلادي. وفي جميع هذه الخرائط، تم تسجيل أرمينيا كوحدة أقليمية مستقلة لها أسمها وجبالها وأنهارها ومدنها. وتحفظ أصول أغلب هذه الخرائط في المكتبة البريطانية في لندن، والمكتبة الوطنية في باريس، والمكتبة الرسولية في الفاتيكان، والمكتبة البودلية في اكسفورد، ومكتبة جامعة بولوغنا، والمكتبة الوطنية المركزية لمدينة فلورنسا.
ومن مجموعة الخرائط هذه توجد خريطة بعنوان: "تركيا في آسيا" المطبوعة في حي اسكودار في مدينة اسطنبول خلال عامي 1803 و 1804، والموجودة في المكتبة البريطانية بلندن. وهذه الخريطة هي إحدى الخرائط في (أطلس العالم) العثمانية المترجمة عن كتاب (الأطلس العام) لويليام فادن المنشور في لندن في عام 1797. وتظهر في هذه الخريطة الأجزاء الآسيوية من تركيا، وتُبيّن أرمينيا هنا منقسمة بين عجمستان (إيران) والإمبراطورية العثمانية، وأعطيت لعدد من ولاياتها أسماؤها الأرمنية. كما أطلقت على ولايتي (فان أو وان) و (أرضروم) تسمية (أرمنستان)، أي أرمينيا. وتظهر أذربيجان في هذه الخريطة الى الجنوب من نهر آراكس (الرس) كإحدى الولايات في إيران.

لقاءات بالأرمن العراقيين

خلال زيارتي لمدينة يريفان، التقيت بالعديد من الأرمن العراقيين، وقد قيل لي أن هنالك نحو (60) عائلة أرمنية من العراق سكنت في أرمينيا قبل الغزو الأميركي-البريطاني للعراق عام 2003 وبعده، وهم يلتقون مع بعضهم البعض خلال المناسبات والأعياد الدينية والقومية، والبعض الآخر يلتقي مع الآخرين بشكل مستمر.
وقد التقيت بعض الأرمن العراقيين مصادفة خلال تجوالي في شوارع المدينة ومترو الأنفاق، ولدى زيارتي لنصب الإبادة الأرمنية، في حبن قام آخرون بدعوتي لزيارتهم. وقد سألني جميع الأرمن العراقيين الذي التقيت بهم بلهفة عن أخبار العراق وأخبار الأهل والأصدقاء هناك، وهم يشاهدون دائماً القنوات الفضائية العراقية والعربية، ويشعرون بشوق وحنين كبيرين إلى العراق. وأخبرتني إمرأة أرمنية عراقية كانت قد قطنت أرمينيا منذ عام 2003 أنها تبكي بكاءً شديداً كلما تشاهد أغاني المطرب العراقي هيثم يوسف على القنوات الفضائية العراقية، لا سيما تلك التي تتغنى بالعراق والحنين إليه في الغربة.
وأنا بدوري، ومع تمتعي بأوقاتي وتجوالي في مدينة يريفان، كنت أشعر بالحنين إلى أهلي وأصدقائي في بغداد. وكنت أتألم بشدة لدى مشاهدتي للأخبار عن تدهور الوضع الأمني في العراق الذي يحصد أرواح الآلاف من الأبرياء من أبناء بلدي.
وحملني هاكوب، وهو أرمني عراقي يقيم في يريفان مع عئلته منذ تموز-يوليو 2005، حملني لدى توديعي له قبل مغادرة أرمينيا بساعات أن أنقل سلاماً حاراً وخاصاً إلى جميع أهل العراق، وها أنا أنقل هذا السلام بأمانة عبر هذه السطور


لقاء مع الشاعرة الأرمنية الكبيرة سيلفا كابوديكيان

تلقيت أثناء وجودي في مدينة يريفان دعوة من أحد الأصدقاء من الأرمن العراقيين الذين استقروا في أرمينيا لحضور دعوة الغداء الذي أقامها في منزله على شرف اثنين من الأكاديميين الأرمن البارزين، وهما: الشاعرة الأرمنية الكبيرة سيلفا كابوديكيان، والمختص في العمارة الأرمنية فارازتاد هاروتونيان. وتبلغ الشاعرة كابوديكيان السابعة والثمانين من العمر، في ما يبلغ الأكاديمي هاروتونيان السابعة والتسعين من العمر.
وبغرض التعارف، أخذت الشاعرة الكبيرة تسأل الحضور عن أسمائهم. وعندما سألتني عن اسمي، أجبتها أنه آرا، فقالت: إنه اسم ابني، في إشارة إلى ابنها الفنان والنحات البارز آرا شيراز. وقد التقطت صوراً تذكارية مع الأكاديميين الأرمنيين اللذين سألانا أيضاً عن أحوال العراق والأرمن فيه. وقال هاروتونيان: إنه كان قد زار العراق في عام 1968 وتجول في أنحائه، وتمنى انسحاب القوات الأجنبية من البلاد ليتولى العراقيون زمام أمورهم بانفسهم ويقومون بإعمار بلادهم. وأضاف: إن العراقيين، ومنهم الأرمن، يتميزون بالنشاط والحيوية، وتمنى للشعب العراقي الخير والإزدهار.
وكنت أحلم بلقاء الشاعرة كابوديكيان التي قرأت عن اشعارها منذ سني دراستي في مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية ببغداد. وقد رأيت الشاعرة، برغم كبر سنها، وهي تتمتع بالحيوية والذاكرة القوية، وتعقب بشكل ظريف على أقوال بعض الحضور

Thursday, June 01, 2006

رحلتي الأولى إلى أرمينيا وغاراباغ الجبلية 5


السابع من أبريل- الخامس من مايس 2006
-الحلقة الخامسة-

زيارة الى متحف الإبادة الأرمنية

يقع متحف الإبادة الأرمنية، وكما أسلفت آنفاً، بالقرب من نصب الإبادة الأرمنية.
ويعرض المتحف صوراً تجسد، بشكل عام، حياة الأرمن في ولايات الاناضول الشرقية والغربية، وجداول بعدد السكان الأرمن والكنائس والمدارس الأرمنية فيها. كما يعرض المتحف صوراً من المجازر الأرمنية لعام 1915، ومذكرات لناجين منها مكتوبة بخط اليد، وصوراً للتدمير الذي لحق بالمدن الأرمنية أثناء هذه المجازر، والذي يستمر حتى الآن في ما يصطلح عليه بـ (الإبادة الثقافية)، الى جانب المصادر والكتب الوفيرة عن الإبادة الأرمنية باللغات المختلفة، والتي ألفها كتاب وشهود عيان أجانب وأرمن.
ومن المصادر العربية حول الإبادة الأرمنية يعرض المتحف كتاب شاهد العيان ورجل الدولة فائز الغصين بعنوان (المذابح في أرمينيا)، وصورة من البيان الذي أصدره شريف مكة عام 1917 لحماية الأرمن، وكتب للمؤرخ والأكاديمي الأرمني البارز فاهاكن دادريان مترجمة الى العربية.
ويتضمن المتحف أيضاً أصل البرقية التي بعث بها بابا الفاتيكان عام 1915 الى السلطان العثماني في شأن المجازر الأرمنية، الى جانب صور ونصوص البرقيات للسفراء والقناصل المعتمدين لدى الدولة العثمانية، والذين بعثوا لحكوماتهم تقارير عن المجازر الأرمنية، وتقارير شهود العيان من رجال الدين الأجانب، فضلاً عن صور البرقيات التي بعث بها طلعت باشا وزير الداخلية للدولة العثمانية الى المسؤولين العثمانيين ويوعز فيها بتهجير الأرمن وإبادتهم.
كما تعرض في المتحف نماذج من الملاعق والأواني وقطع القماش المزخرف وغيرها التي حملها معهم الأرمن المهجًّرون، فضلاً عن صور المفكرين والمثقفين الأرمن الذين جرت تصفيتهم في يوم 24 نيسان-أبريل عام 1915 ونسخ من مؤلفاتهم.
كما شاهدت في المتحف الذي ينزل اليه بالسلالم مقتطفات من الصحف العالمية التي وثقت الإبادة الأرمنية لعام 1915، وأصول وصور القرارات التي تبنتها بعض دول العالم والولايات الأميركية عن الإبادة الأرمنية، وترباً جلبت من الولايات الأرمنية في أرمينيا الغربية (العثمانية)، فضلاً عن اللوحات التشكيلية والموسوعات عن الإبادة.
وفي المتحف حائط كبير من الحجر نحتت عليه خريطة أرمينيا التاريخية وأقليم كيليكيا بمدنها وأنهارها وبحيراتها. ويحوي المتحف أيضاً مكتبة لبيع المصادر والكتب حول الإبادة الأرمنية.
وفي النهاية سجلت كلمتي في سجل الزيارة الخاص بالمتحف، ومن ثم زرت للمرة الثالثة نصب الإبادة. وقرب النار الأزلية في النصب كانت تقف فتاة يابانبة بدت لي أنها طالبة في أرمينيا. وقد سألتني عن موقع المتحف، فأجبتها، وبدوري طلبت منها التقاط صورة لي بالقرب من النار الأزلية بكاميرتي، فأستجابت لطلبي


(في معهد المخطوطات القديمة (الماديناتاران
لا بد للزائر لمدينة يريفان أن يرى معهد المخطوطات الأرمنية القديمة (الماديناتاران) الذي سمي باسم القديس ميسروب ماشدوتس، والذي يقع في مكان مرتفع في نهاية شارع ميسروب ماشدوتس. وقبل الوصول الى المدخل الرئيس للبناية، هناك نصب لمخترع الأبجدية الأرمنية ميسروب ماشدوتس.
ومن هذا النصب، يرتفع طريق الى المدخل الرئيس للبناية الذي ترتفع على جانبيه أنصاب ستة من العظماء ورجال الفكر الأرمن، وهم:
· موفسيس خوريناتسي (القرن الخامس الميلادي)، وهو أبو المؤرخين الأرمن، ومؤلف كتاب (تاريخ الأرمن)،
· مخيتار كوش (1120-1213)، وهو مشرع وكاتب،
· فريك (القرن الثالث عشر-القرن الرابع عشر)، وهو شاعر،
· آنانيا شيراكاتسي (القرن السابع الميلادي)، وهو عالم وواضع أساس العلوم الطبيعية عند الأرمن،
· كريكور داتيفاتسي (1346-1409)، وهو مؤلف وفيلسوف ولاهوتي ورسام،
· توروس روسلين (القرن الثالث عشر)، وهو رسام فن المنمنمات الأرمني.
وتحفظ في خزائن (الماديناتاران) أكثر من 16 ألفاً و 500 مخطوطة (14 ألفاً باللغة الأرمنية وألفان وخمسمائة باللغات الأجنبية بضمنها العربية)، وهي مصادر للبحث عن التاريخ والفنون والآداب والعلوم التطبيقية عند الشعب الأرمني ومؤلفات من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الثامن عشر لمؤرخين ومؤلفين أرمن معاصرين للأحداث وترجمات لمؤلفين وعلماء من العصور القديمة والوسطى. وتحفظ في خزائن (الماديناتاران) أيضاً نماذج قديمة وفريدة من الأدب العالمي التي لم تحفظ أصولها اليوم ووصلت الى البشرية بفضل ترجماتها إلى اللغة الأرمنية.
وأفتتح المبنى الحالي لـ (الماديناتاران) في العام 1959، ولا يعد خزانة للمخطوطات القديمة فحسب، بل هو معهد لإجراء الدراسات والنشر، إذ تمت ترجمة ونشر مؤلفات كثيرة باللغات الأرمنية والروسية والإنكليزية والفرنسية وغيرها.
وشاهدت بعض المخطوطات القديمة في قاعة العرض الرئيسة في المبنى وقد تمت معالجتها نتيجة لاصابتها باضرار مختلفة خلال العهود المختلفة. وكان تأثري كبيراً بمشاهدة أكبر مخطوطة أرمنية في (الماديناتاران)، وهي مخطوطة "مختارات المواعظ" (جارندير) التي جلبت من مدينة موش في أرمينيا الغربية، ويبلغ وزنها 27,5 كغم. وقد استعرضت الأحداث المأساوية التي مرت بها هذه المخطوطة، إذ تم إنقاذها وإيصالها بأعجوبة إلى مكانها الحالي. ففي عام 1204 م، قام الأتراك السلاجقة بسلب صاحب هذه المخطوطة واستولوا على هذه المخطوطة الثرية بمحتوياتها وصورها المنمنمة. وقام السكان الأرمن في مناطق مختلفة بجمع 4000 قطعة فضية، وكان مبلغاً باهظاً آنذاك، لاستعادة المخطوطة من سالبيها. وتمت إعادة المخطوطة وحفظت في دير (آراكيلوتس) في مدينة موش.
ولتخليص المخطوطة من التدمير إبان مجازر الإبادة الأرمنية لعام 1915، قامت إمرأتان أرمنيتان بتجزئة المخطوطة إلى جزئين ليسهل نقلها إلى أرمينيا الشرقية. وقد وصل الجزء الأول من المخطوطة إلى مدينة اجميادزين، في حين تعذر نقل الجزء الآخر الذي تم دفنه في باحة كنيسة أرمنية في مدينة أرضروم. ولاحقاً، تم اكتشاف هذا الجزء من المخطوطة تحت الأنقاض بطريق المصادفة، وتم نفله إلى مدينة اجميادزين، وضمه الى الجزء الأخر من المخطوطة.
ويستمر (الماديناتاران) في تلقي المخطوطات الأرمنية القديمة من الأرمن في أنحاء العالم كافة. وتتم معالجة هذه المخطوطات من قبل فريق من المختصين في المعهد. فيقوم الفريق بدراسة مضمون المخطوطة والخط الذي كتب به ومقارنته بالمخطوطات الأخرى ذات المضمون والشكل المتشابه، وبذلك يمكن تحديد تاريخ كتابة المخطوطة ومدى اكتمالها، وأحياناً اسم كاتبها إذا كان مجهولاً.
وقد شاهدت في قاعة العرض الرئيسة في (الماديناتاران) مخطوطات عديدة من هذا النوع أهداها أرمن من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى في العالم. وكتب إلى جانب المخطوطة اسم الشخص الذي أهادها والدولة والمدينة التي يقطن فيها.
ويصل عدد المخطوطات الأرمنية في العالم الى نحو 25 ألفاً. وثمة مجموعات من المخطوطات الأرمنية في مدينة القدس (4500 مخطوطة في دير القديس يعقوب)، وفينيسيا (4000 مخطوطة في دار الكتب للآباء المخيتاريين الأرمن)، وفيينا (1200 مخطوطة في دار الكتب للآباء المخيتاريين الأرمن)، وأصفهان (1000 مخطوطة في دير نور جوغا)، وباريس (المكتبة الوطنية)، ولندن (المتحف البريطاني)، واكسفورد، وتفليس، واسطنبول، وبرلين، ونيويورك، وواشنطن، ومدن أخرى في العالم.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
p--cmYrAD_e345B